صلى اللّه عليه وسلم كان حيا ما وسعه إلا أن يتبعني » « 1 » ، فلا يعارض ما قلناه من الجواز ، لأن النهى الوارد هنا كان في مبدأ الاسلام وقبل استقرار الأحكام .
والإباحة بعد أن عرفت الأحكام واستقرت ، وذهب خوف الاختلاط قال الحافظ ابن حجر في الفتح « 2 » « وكأن النهى وقع قبل استقرار الأحكام الاسلامية ، والقواعد الدينية خشية الفتنة ، لما زال المحذور وقع الأذن في ذلك ، لما في سماع الأخبار التي كانت في زمانهم من الاعتبار » ه ا .
ويمكن أن ندفع ما يتوهم من التعارض بما نقله ابن بطال عن المهلب أنه قال « هذا النهى إنما هو في سؤالهم عما لا نص فيه ، لأن شرعنا مكتف بنفسه ، فإذا لم يوجد فيه نص ففي النظر والاستدلال غنى عن سؤالهم ، ولا يدخل في النهى سؤالهم عن الأخبار المصدقة لشرعنا ، والأخبار عن الأمم السالفة » « 3 » .
ومن هذا كله يتبين لنا : أنه لا تعارض بين هذه الأحاديث الثلاثة ، كما يتبين لنا المقدار الذي أباحه الشارع من الرواية عن أهل الكتاب .
ولسنا بعد ما فهمناه من هذه الأحاديث ، وما عرفناه من حرص الصحابة على امتثال ما أمرهم به الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، نستطيع أن نقر الأستاذ جولد زيهر والأستاذ أحمد أمين على هذا الاتهام الذي وجهاه إلى ابن عباس خاصة ، وإلى الصحابة عامة ، من رجوعهم إلى الكتاب في كل شئ ، وقبولهم لما نهى الرسول عن أخذه من أهل الكتاب ، وقد ذكرنا كلامهما ورددنا عليه عند الكلام عن ابن عباس ، كما ذكرنا الأثر الذي أخرجه البخاري عن ابن عباس ، وفيه يشدد - رضى اللّه عنه - النكير على من يأخذون من أهل الكتاب ويصدقونهم في كل شئ ، فهل يعقل بعد هذا ، وبعد ما عرفناه من
هامش
( 1 ) مسند الإمام أحمد ج 3 ص 387
( 2 ) ج 6 ص 320 .
( 3 ) فتح الباري ج 13 ص 259 .