ومن يؤول ( أنّى ) بمعنى متى فإنه لا يصح ، لأنها تتضمن مطلق الزمان ، واللّه تبارك وتعالى قال :
فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ
[ البقرة : 222 ] .
وبعد التأمل والبحث في معاني ( أنى ) لا بدّ وأن يجد الطالب أن المعنى المراد يرجع لمعنى ( كيف ) وبذلك يزول الإشكال أي فأتوا حرثكم كيف شئتم . ومنه أيضا قوله تعالى :
وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ
[ البقرة : 228 ] فالقرء موضوع في اللغة للطهر من الحيض ، وللحيض ، فهل تنقضى عدة المطلقة بثلاث حيضات أم بثلاثة أطهار ؟ من العلماء من فسّر القرء بالحيض واستدل بحديث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « طلاق الأمة ثنتان وعدتها حيضتان » « 1 » فإنه تصريح بأن العدة بالحيض لا بالطهر . ومنهم من فسّر القرء بالطهر واستدل بقوله تعالى :
فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ
[ الطلاق : 1 ] أي في وقت عدتهن واللام بمعنى ( في ) ، والطلاق المشروع ما كان في طهر وهو لا يكون في العدة إلّا إذا كان الطهر الذي وقع فيه الطلاق منها .
وفي ضوء هذه الأمثلة يتضح أن المشكل أشد خفاء من الخفي ، وبناء عليه فإن للاجتهاد دورا كبيرا في إزالة الإبهام الواقع في المشكل . فإذا كان المجتهد في الخفي يبحث في العارض الذي نشأ عنه الخفاء ، ففي المشكل لا بدّ للمجتهد من التأمل في صيغة اللفظ وفي إشكاله الذي دخل فيه وكان سببا في الغموض . فالمبالغة في التأمل مطلوبة من المجتهد في إزالة غموض المشكل . والحاجة إلى التأمل في الصيغة في الأشكال هي التي دعت الأصوليين إلى القول : بأن المشكل لا يكفي فيه مجرد
هامش
( 1 ) - الموطأ 2 / 574 - كتاب الطلاق .