رعاية ما يتوهمونه مصلحة بعقولهم ويحجرون واسعا من مغفرته وعفوه وكرمه على الخطائين من موحّديه إلى غير ذلك من الإلحاد المعروف للطائفة المتلقّبين عدلية المزكين لأنفسهم . وهو أعلم بمن اتقى » « 1 » .
ويسلك الزمخشري في الآية :
وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ
[ الأنفال : 23 ] . مسلكا تأويليا مفاده : « أن الله عز وجل لو علم في هؤلاء الصم البكم ( خيرا ) أي انتفاعا باللطف للطف بهم حتى يسمعوا سماع المصدقين بالقرآن والنبوة ،
وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا
: أي لو لطف بهم لما نفع بهم اللطف فلذلك منعهم ألطافه أو ولو لطف بهم فصدقوا لارتدّوا بعد ذلك وكذبوا ولم يستقيموا » « 2 » ولئن كان قصد المعتزلة والزمخشري أحدهم أن اللطف تذكير أو وجه التيسير إلى فعل الطاعة وترك المعصية على سبيل التذكير دون أن يكون قسرا خارجيا مفروضا على الإنسان الفاعل ، ولا يخرج عن متناول قدرته باعتباره نوعا من التوفيق والتسديد والعصمة التي تمنع العبد من أن يرتكب الشرور ويترك الخير « 3 » .
فباللطف الإلهي يكون العبد أقرب إلى اختيار فعل الخير أو تجنب الشر .
وهذا - حسب المعتزلة - لا يجعل الفعل خارجا عن كونه واقعا من الإنسان بقدرته وبحسب إرادته واختياره ؛ لأنهم يرون فعل الإنسان في حد ذاته قدرا وتحقيقا عمليا لأثر ما في معنى أن التحقيق العملي للفعل إحداث غير منفصل عن الخلق والتقدير لاستناده إلى إرادة الفاعل واختياره وقدرته ، إذ الإنسان ذات فاعلة أي سبب يوجب وقوع المسببات عنه على جهة الاختيار . ورأوا الاعتبارات الأخرى كالحتميات الطبيعية « 4 » والتمكينات والألطاف الإلهية لا تؤثر سلبا في الذات
هامش
( 1 ) الإنصاف ، هامش الكشاف ، ج 2 ، ص 132 .
( 2 ) الكشاف ، ج 2 ، ص 151 .
( 3 ) انظر الأشعري ، مقالات الإسلاميين ، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد ، ج 1 ، ص 313 - 326 - ، 327 وكذا القاضي عبد الجبار ، شرح الأصول الخمسة ، ج 1 ، ص 20 - ، 21 وكذا د . سميح دغيم ، فلسفة القدر في فكر المعتزلة ، ص 133 - 256 .
( 4 ) تخضع الأحكام الطبيعية إلى قوانين خارجة عن نطاق القدرة الإنسانية ؛ لذا فهي ليست أحكاما تقديرية وإنما هي أحكام تقريرية تمس لا ما هو واجب أو خير ولكن ما هو كائن . وقد فصل ( دور كايم ) بينها -