العقل يدرك المعنى الذي حسن الشرع لأجله الستر وقبح الكشف ، فإنهم ما أرادوا به ظاهره « 1 » .
وجعلوا المعاصي والذنوب محمولة على المكلفين واستعظموا نسبة القبائح إلى الله ؛ ففي الآية :
وَلَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا ( 74 ) إِذاً لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً
[ الإسراء : 74 ، 75 ] ذهب الزمخشري إلى أن « في ذكر الكيدودة وتقليلها مع اتباعها الوعيد الشديد بالعذاب المضاعف في الدّارين دليل بيّن على أن القبيح يعظم قبحه بمقدار عظم شأن فاعله وارتفاع منزلته ، ومن ثم استعظم مشايخ العدل والتوحيد رضوان الله عليهم نسبة المجبرة القبائح إلى الله تعالى عن ذلك علوا كبيرا » « 2 » .
ويبيّن صاحب الكشاف أن المراد من قوله تعالى :
الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ
[ السجدة : 7 ] هو نفي ما يقبح في العقل من فعله دون ما يستقبح في الصورة :
[ أحسن كلّ شيء ] : « حسنه لأنه ما من شيء خلقه إلا وهو مرتب على ما اقتضته الحكمة وأوجبته المصلحة فجميع المخلوقات حسنة ، وإن تفاوتت إلى حسن وأحسن كما قال :
لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ
[ التين : 4 ] « وقيل علم كيف يخلقه » « 3 » .
وهو يرى أنّ اجتناب الكبائر يكفّر عن الصغائر « 4 » ؛ لذا عمل على دسّ هذه الخلفية حين فسّر قوله عز وجل :
قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ
[ الأعراف : 23 ] قائلا : « وسميا ذنبهما وإن كان صغيرا مغفورا » « 5 » ، وذلك لقوله : « وإن كان صغيرا مغفورا » على سبيل التضمين والإخفاء
هامش
( 1 ) ابن المنير ، الإنصاف ، هامش الكشاف ، ج 2 ، ص ، 72 وكذا أبو حيان الأندلسي ، البحر المحيط في التفسير ، ج 5 ، ص 25 .
( 2 ) الكشاف : ج 2 ، ص 461 .
( 3 ) الكشاف ، ج 3 ، ص 241 .
( 4 ) اختلاف المعتزلة في غفران الصغائر : قال بعضهم بغفرانها عند اجتناب الكبائر تفضلا ، وقال آخرون :
يغفرها الله عند اجتنابها باستحقاق . وذهب غير هؤلاء إلى أن الصغائر لا تغفر إلا بالتوبة . انظر الأشعري ، مقالات الإسلاميين ، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد ، ج 1 ، ص 333 - 332 .
( 5 ) الكشاف ، ج 2 ، ص 73 .