تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة — صفحة 314

مساهمون:

ص٣١٤
ويكاد يتحفظ أمام بعض الأحاديث الشريفة التي لا تنسجم أفكار المعتزلة معها . قال عند الآية :
وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ
[ آل عمران : 36 ] قال : وما يروى من الحديث : « ما من مولود إلا والشيطان يمسه حين يولد فيستهل صارخا من مس الشيطان إياه إلا مريم وابنها » ؛ فالله أعلم بصحته » ثم أضاف : « فإن صح فمعناه : أن كل مولود يطمع الشيطان في إغوائه إلا مريم وابنها فإنهما كانا معصومين ، وكذلك كل من كان في صفتهما كقوله تعالى :
وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ( 39 ) إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ
[ الحجر : 39 ، 40 ] ، واستهلاله صارخا من مسه تخييل وتصوير لطمعه فيه بأنه يمسّه ويضرب بيده عليه ، ويقول هذا ممن أغويه ثم استعان بقول ابن الرومي تأكيدا لهذا الضرب من التصوير :
لما تؤذن الدنيا به من صروخها * يكون بكاء الطفل ساعة يولد
وأما حقيقة المس والنخس كما يتوهم السنيون « 1 » فكلا ، فلو يسلط إبليس النخس على الناس لامتلأت الدنيا صراخا وعياطا مما يبلونا به من نخسه « 2 » . ويعتمد على نص القرآن ليبرز أن الله تعالى لا يضل عباده قال عند الآية :
وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَ أَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبادِي هؤُلاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ
[ الفرقان : 17 ] : « وفيه كسر بيّن لقول من يزعم أن الله يضل عباده على الحقيقة حيث يقول للمعبودين من دونه : أأنتم أضللتموهم أم هم ضلوا بأنفسهم فيتبرّءون من إضلالهم ؛ ويستعيذون به أن يكونوا مضلين ، ويقولون بل أنت تفضلت من غير سابقة على هؤلاء وآبائهم تفضل جواد كريم ، فجعلوا النعمة التي حقها أن تكون سبب الشكر سبب الكفر ونسيان الذكر ؛ وكان ذلك سبب هلاكهم . فإذا برأت الملائكة والرسل أنفسهم من نسبة الإضلال الذي هو عمل الشياطين إليهم واستعاذوا منهم ، فهم لربّهم الغني العدل أشد تبرئة وتنزيها منه . ولقد نزهوه حين أضافوا إليه التفضل بالنعمة والتمتيع بها . وأسندوا نسيان الذكر والتسبب به
هامش
( 1 ) يطلق عليهم الزمخشري « أهل الحشو » . ( 2 ) انظر الكشاف ، ج 1 ، ص 426 .
التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة — صفحة 314 | السعيد شنوقة