تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة — صفحة 184

مساهمون:

ص١٨٤
لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذا أَرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ
[ الرعد : 11 ] . لقد أفرز تناول المسلمين لهذه المسألة آنذاك أوجه نظر لا نريد أن نقول إن أبرزها ذلك الذي خاضته الفرق الهامة ، ولكن نود هنا الإشارة إلى وجهتي نظر هامين : الأولى : أن عامة المسلمين يميلون إلى إثبات سلطة الله المطلقة على جميع أفعال العباد وأن أفعال الإنسان خلقها الله في فاعليها . استدلوا لها بنص القرآن الكريم والحديث الشريف ، وقد ذكرنا قبل نماذج من الآيات في هذا . أما في الحديث فقال الرسول صلى اللّه عليه وسلم : « لا يؤمن عبد حتى يؤمن بالقدر خيره وشره » « 1 » . وروى أبو أمامة عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « سبق العلم وجف القلم وقضي القضاء وتم القدر بتحقيق الكتاب وتصديق الرسل بالسعادة لمن آمن واتقى ، والشقاء لمن كذب وكفر » « 2 » . وهم عدّوا من قال : العباد خالقون لأكسابهم قدريا ، ومن زعم أن لا استطاعة للعبد على الكسب وليس هو بفاعل له ولا مكتسب جبريا ، لهذا رأوا العدل خارجا عن القدر والجبر ، وأن القائل : العبد مكتسب لأفعاله والله سبحانه هو خالق كسبه إنما هو السني العدلي المنزه عن الجبر والقدر « 3 » . ولم ينف أهل السنة المسؤولية عن الإنسان لأنه ما أمر الله تعالى ونهى إلا لمستطيع الفعل والترك ولم يجبر أحدا على معصية ولا اضطره على ترك الطاعة لقوله عز وجل :
لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها
[ البقرة : 286 ] وقوله :
فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ
[ التغابن : 16 ] وقوله :
الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ
[ غافر : 17 ] . وفي هذا دليل عندهم على أن للعبد كسبا يجزى على حسنته بالثواب وعلى سيئته بالعقاب لكنه واقع بقضاء الله وقدره « 4 » .
هامش
( 1 ) صحيح مسلم : 6928 باب وجوب محبة رسول الله . وانظر جامع الترمذي باب 1431 باب ما جاء أن الإيمان بالقدر خيره وشره . حديث رقم ، 2169 قال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم : « لا يؤمن عبد حتى يؤمن بالقدر خيره وشره حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه » . والأشعري ، الإبانة عن أصول الديانة ، ج 1 ، ص 25 . ( 2 ) ابن قتيبة ، تأويل مختلف الحديث ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، ص 31 . ( 3 ) انظر البغدادي ، الفرق بين الفرق ، ص 338 - 339 . ( 4 ) انظر محمد صديق حسن خان القنوجي ، قطف الثمر في بيان عقيدة أهل الأثر ، ص 84 - 85 .
التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة — صفحة 184 | السعيد شنوقة