نطق بذلك القرآن الكريم وثبت استعماله في الشعر . قال عز وجل :
أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ
[ الفرقان : 45 ] ، وقال :
أَ وَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَ فَلا يُؤْمِنُونَ
[ الأنبياء : 30 ] أما في الشعر :
رأيت الله إذ سمى نزارا * وأسكنهم بمكة قاطنينا
أي علمت الله تعالى « 1 » .
وإذا كانت الرؤية عند تعدّيها إلى مفعولين تفيد معنى العلم « 2 » عند اللغويين نحو رأيت فلانا فاضلا وإذا اقتصرت على المفعول الواحد دلت على معنى المشاهد « 3 » ، فإنه لا يمتنع أن يكون مراد الرسول صلى اللّه عليه وسلم ( سترون ربكم ) : تعلمون ربكم . وبذلك يكون أصحّ من أن يقصد به الإدراك كما يدرك القمر ليلة البدر لأن الإدراك يوجب أن يدرك في جهة مخصوصة « 4 » . وهنا ينزع القاضي عبد الجبار منزع التأويل القائم على أساس عقلي في حمل ( ترون ) على الإدراك ، ولكنه ردّ على الخصوم حين قالوا : الرؤية إذا كانت بمعنى العلم تتعدى إلى مفعولين مثل رأيت فلانا فاضلا ، ولا يجوز الاقتصار على أحد مفعوليه إلا إذا كان بمعنى المشاهدة ، فقال : لا يمتنع أن يكون الأصل هذا ثم يقتصر على أحد مفعوليه للتوسع والمجاز ، وذلك كدخول همزة التعدية في الفعل الذي يتعدى إلى مفعولين فتعدّيه إلى ثلاثة مفاعيل لكنها قد تدخل على الفعل الذي هذا حاله ، ويقتصر على مفعولين ، وعلى هذا قال الله عز وجل :
وَأَرِنا مَناسِكَنا
[ البقرة : 128 ] ، فدخلت الهمزة على الرؤية ، واقتصر الفعل على مفعولين . وحال الرؤية إذا كانت
هامش
- مع الشين أن الرؤية بمعنى العلم بدليل تعديه إلى ضمير . وعند الزمخشري أبصر الشيء وبصر به وقد بصر بعمله إذا صار عالما به : أساس البلاغة ، تحقيق عبد الرحيم محمود ، دار المعرفة بيروت ( د . ت ) ( بصر ) .
وفي لسان العرب : البصير بالأشياء العالم بها ، والبصر العلم ( بصر ) .
( 1 ) لبيت استشهد به القاضي عبد الجبار ، شرح الأصول الخمسة ، ج 1 ، ص 193 : لم أعثر على قائله .
( 2 ) الرؤية بالعين تتعدى إلى مفعول واحد ، وبمعنى العلم تتعدى إلى مفعولين : مختار الصحاح ( رأي ) .
( 3 ) انظر شرح الأصول الخمسة ، ج 1 ، ص ، 193 ود . نصر حامد أبو زيد ، الاتجاه العقلي في التفسير ، ص 204 .
( 4 ) انظر م ن ، ج 1 ، ص ، 194 وكذا د . نصر حامد أبو زيد ، الاتجاه العقلي في التفسير ، ص 204 .