وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ ، وَإِنْ يَكُ كاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ ، إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ »
« 8 » .
ويقول في تحليله : « وفي سياق هذا الكلام من الملاطفة ، وحسن الأدب ، وكمال الانصاف ، ما يربى على كل غاية ، وبيانه من أوجه .
أما أولا : فلأنه صدّر الكلام بكونه كاذبا على جهة التقدير ملاطفة واستنزالا للخصم على نخوة المكابرة ، ودعاء له إلى الاذعان ، والانقياد للحق ، وقدمه على كونه صادقا دلالة على ذلك ، وأما ثانيا : فلأنه فرض صدقه على جهة التقدير مع كونه مقطوعا بصدقه ، تقريبا للخصم وتسليما لما يدعيه من ذلك ، وهضما لجانب الرسول ، زيادة في الانصاف ، ومبالغة فيه ، وأما ثالثا : فإنه أردفه بقوله :
« يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ »
، وان كان التحقيق أنه يصيبهم كل ما يعدهم به لا محالة من أجل الملاطفة أيضا ، وأما رابعا : فإنه أتى ب « ان » للشرط وهي موضوعة للأمور المشكوك فيها ، ليدل بذلك على أنه غير مقطوع بما يقول ، على جهة الفرض واذعانا للخصم على التقدير ، لا إرادة هضمه لحقه ، وأنه غير معط له ما يستحق من التعظيم ، وأما خامسا : فقوله تعالى في آخر الآية :
« إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ »
انما أتى به على التلطف والانصاف مخافة أن يبعدوا عن الهداية ، ومحاذرة عن نفارهم عن طريق الصواب ، فرضا وتقديرا ، والا فلو كان مسرفا كذابا لما هداه اللّه إلى النبوة ، ولما أعطاه إياها ، وفي هذا الكلام من الاستدراج للخصم وتقريبه وادنائه إلى الحق ما لا يخفى على أحد من الأكياس ، وقد تضمن من اللطائف ما لا سبيل إلى جحده » « 9 » .
وهذا مأخوذ من المثل السائر مع إضافات لا تزيد عن كونها شرحا له ، وقد أشرت إلى أنه مأخوذ من الكشاف « 10 » .
هامش
( 8 ) المثل السائر ج 2 ص 260 - والآية من سورة غافر : 28
( 9 ) الطراز ج 2 ص 282 ، 283 ، 284 .
( 10 ) ينظر المثل السائر ج 2 ص 261 ، 262 والكشاف ج 4 ص 126 .