ويعتبر المعاني التعريضية فيها من الرموز البالغة في اللطف والخفاء ، وأنه لا يتنبه إليها الا القليل من ذوى الفطنة من العلماء .
يقول في قوله تعالى :
« ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ ، كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما »
« 370 » :
« وفي طي هذين التمثيلين تعريض بأمى المؤمنين المذكورتين في أول السورة ، وما فرط منهما من التظاهر على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بما كره ، وتحذير لهما على أغلظ وجه وأشده ، لما في التمثيل من ذكر الكفر ، ونحوه في التغليظ قوله تعالى :
« وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ »
« 371 » وإشارة إلى أن من حقهما أن تكونا في الاخلاص والكمال فيه كمثل هاتين المؤمنتين ، ولا تتكلا على أنهما زوجا رسول اللّه ، فان ذلك الفضل لا ينفعهما الا مع كونهما مخلصتين ، والتعريض بحفصة أرجح ، لأن امرأة لوط أفشت عليه كما أفشت حفصة على رسول اللّه ، وأسرار التنزيل ورموزه في كل باب بالغة من اللطف والخفاء حدا يدق عن تفطن العلماء ويزل عن تبصرهم » « 372 »
قلت : ان الزمخشري في تعريفه للتعريض أثار مسألة هامة لدى البلاغيين ، وهي وجه الدلالة على المعنى التعريضى . وكان مما لا يقبله العقل عند العلامة سعد الدين أن يدل الكلام على معنى دلالة صحيحة وهو ليس حقيقة فيه ولا مجازا . والحق أن الزمخشري قرر أن الكلام الذي يلوح منه معنى تعريضى قد يكون حقيقة كما ذكرنا في الأمثلة السابقة فهي حقائق في معانيها ، والمراد منها ، وان عرضت بما ذكر ، وقد يكون التعريض من الأمثال المضروبة ، كما في آية امرأة نوح وامرأة لوط وامرأة فرعون ، وكما في قصة داود عليه السلام حين دخل عليه الخصم ففزع منهم . والزمخشري يقول تعقيبا على هذا التمثيل ، أو هذه القصة : « فان قلت : لم جاءت على طريقة التمثيل والتعريض دون التصريح ؟ قلت : لكونها أبلغ في التوبيخ من قبل أن التأمل إذا أداه
هامش
( 370 ) التحريم : 10
( 371 ) آل عمران : 97
( 372 ) الكشاف ج 4 ص 458