وتتكرر هذه الدلالة في صيغة المضارع وتتكرر إشاراته إليها في قوله تعالى :
« كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ »
« 106 » ولم يقل « أوحى » ليدل على أن الوحي من عادته وفي قوله تعالى :
« أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً »
« 107 » حيث قال « فتصبح » ولم يقل :
فأصبحت ، ليشير إلى أن خضرتها تبقى وتتجدد زمانا بعد زمان كقولك :
أنعم على فلان فأروح وأغدوا في نعمه ، ولو قلت : فرحت وغدوت لم يكن شيئا » « 108 » .
وقد يختلف نوع الفعل في الآية الواحدة والمقام الواحد ويلفتنا الزمخشري إلى السر وراء هذا الاختلاف ويشير إلى لمحته الدالة .
يقول في قوله تعالى :
« قالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ »
« 109 » : « فان قلت : هلا قيل : انى أشهد اللّه وأشهدكم ؟
قلت : لأن اشهاد اللّه على البراءة من الشرك اشهاد صحيح ثابت في معنى تثبيت التوحيد وشد معاقده ، وأما اشهادهم فما هو الا تهاون بدينهم ودلالة على قلة المبالاة بهم فحسب ، فعدل بهم عن لفظ الأول لاختلاف ما بينهما وجئ به على لفظ الأمر بالشهادة كما تقول لمن يبس الثرى بينه وبينك : أشهد على انى لا أحبك » « 110 » .
وللزمخشري نظرات في صيغ الأفعال الماضية يشير فيها إلى المعاني البلاغية التي تفيدها هذه الصيغ في مقاماتها المختلفة . فالقرآن الكريم يختار صيغة « فعّل » على صيغة « أفعل » في قوله تعالى :
« وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ »
« 111 » لأن المراد النزول على سبيل التدرج والتنجيم « وهو من مجازه لمكان التحدي ، وذلك أنهم كانوا يقولون : لو كان هذا من عند اللّه مخالفا لما يكون من
هامش
( 106 ) الشورى : 3
( 107 ) الحج : 63
( 108 ) ينظر الكشاف ج 4 ص 163 ، ج 3 ص 132
( 109 ) هود : 54
( 110 ) الكشاف ج 2 ص 315
( 111 ) البقرة : 23