ما تلوح به كلمة « ذرأ » من تجهيل المشركين وغفلتهم في قوله تعالى :
« وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً »
« 30 » ، ويشير إلى ما في كلمة « أخ » من معاني المحبة والمودة التي تحبب العفو إلى نفس ولى الدم في قوله تعالى :
« فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ »
« 31 » ، ويشير إلى ما في لفظ « الخرطوم » من الاستخفاف والاستهانة في قوله تعالى :
« سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ »
« 32 » ، وفي كلمة « بارئكم » في نداء موسى عليه السلام لبنى إسرائيل في قوله تعالى :
« فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ »
« 33 » معنى التقريع واللوم لأنهم تركوا عبادة الباري أي الذي خلق الخلق بريا من التفاوت إلى عبادة البقرة وهي مثل في البلادة « 34 » .
والزمخشري يشير إلى الفروق بين دلالات الألفاظ المتقاربة ويبين في ضوء هذه التفرقة الدقيقة سر اختيار كل كلمة في موضعها .
يقول في قوله تعالى :
« الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ ، ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ »
« 35 » : « والفرق بين الخلق والجعل أن الخلق فيه معنى التقدير . . . وفي الجعل معنى التصيير كانشاء شئ من شئ أو تصيير شئ شيئا أو نقله من مكان إلى مكان ، ومن ذلك :
« وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها »
« 36 » ، و
« جَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ »
، لأن الظلمات من الأجرام المتكاثفة والنور من النار ،
« ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْواجاً »
« 37 » ،
« أَ جَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً »
« 38 » .
وقد تبدل كلمة مكان أخرى في آية مشابهة ويلحظ الزمخشري هذا ويناقشه ويبحث المقامين ويشرح أسلوب الآيتين وكيف اقتضى كل مقام من المقامين هذه الكلمة بعينها ، وله في هذا كلام جيد يقول في قوله
هامش
( 30 ) ينظر الكشاف ج 2 ص 53 - والآية من سورة الأنعام : 136
( 31 ) ينظر الكشاف ج 2 ص 167 - والآية من سورة البقرة : 178
( 32 ) ينظر الكشاف ج 4 ص 473 - والآية من سورة القلم : 16
( 33 ) البقرة : 54
( 34 ) ينظر الكشاف ج 2 ص 105
( 35 ) الأنعام : 1
( 36 ) الأعراف : 189
( 37 ) فاطر : 11
( 38 ) سورة ص : 5