كيف نظم هذا الكلام ؟ قلت : ما بعد « حتى » إلى
« فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ »
جعل غاية للابتلاء وهي « حتى » التي تقع بعدها الجمل كالتي في قوله :
فما زالت القتلى تمجّ دماؤها * بدجلة حتى ماء دجلة أشكل
والجملة الواقعة بعدها جملة شرطية لأن « إذا » متضمنة معنى الشرط وفعل الشرط
« بَلَغُوا النِّكاحَ »
وقوله :
« فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ »
جملة من شرط وجزاء واقعة جوابا للشرط الأول الذي هو
« إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ »
فكأنه قيل : وابتلوا اليتامى إلى وقت بلوغهم فاستحقاقهم دفع أموالهم إليهم بشرط إيناس الرشد » « 68 » .
والزمخشري في هذا النص لما أراد أن يبين نظم الكلام لم يزد عن اعرابه وكأنه يقصد بنظمه اعرابه ، ولكن الذي نراه أن هنا فرقا بين النظم والاعراب وأن قوله « كيف نظمه » يراد به السؤال عن استقامة معنى الكلام ووضوح المراد منه ، فإذا كان الجواب : هو اعراب النص ، فلأن الاعراب هو الذي يكشف لنا المعنى في مثل هذا التركيب الذي ألقى عليه تداخل أدوات الشرط شيئا من الغموض .
ونجد هذا التقارب بين النظم والاعراب في قوله في آية :
« قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ »
« 69 » : فان قلت : أخبرني عن نظم هذا الكلام لأقف على معناه من جهة النظم ؟ قلت : الواو الأولى عاطفة ل « كفرتم » على فعل الشرط كما عطفته « ثم » في قوله تعالى :
« قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ »
« 70 » . وكذلك الواو الأخرى عاطفة ل « استكبرتم » على « شهد شاهد » وأما الواو في « وشهد شاهد » فقد عطفت جملة قوله
« شَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ »
على جملة قوله
« كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ »
، ونظيره قولك : أن أحسنت إليك وأسأت وأقبلت عليك وأعرضت عنى لم نتفق في أنك أخذت ضميمتين فعطفتهما على مثليهما « 71 » .
هامش
( 68 ) الكشاف ج 1 ص 365
( 69 ) الأحقاف : 10
( 70 ) فصلت : 52
( 71 ) الكشاف ج 4 ص 237