« وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ ، صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ »
« 21 » : « فالنظر إلى بلاغة هذا الكلام وحسن نظمه وترتيبه ومكانة اضماده ورصانة تفسيره وأخذ بعضه بحجزة بعض كأنما أفرغ افراغا واحدا ، ولأمر ما أعجز القوى وأخرس الشقاشق ، ونحو هذا المصدر إذا جاء عقيب كلام جاء كالشاهد بصحته ، والمنادى على سداده ، وانه ما كان ينبغي أن يكون الا كما قد كان ، ألا ترى إلى قوله :
« صُنْعَ اللَّهِ »
و
« صِبْغَةَ اللَّهِ »
و
« وَعَدَ اللَّهُ »
و
« فِطْرَتَ اللَّهِ »
بعد ما وسمها بإضافتها اليه بسمة التعظيم كيف تلاها بقوله :
« الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ »
، و
« وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً »
، و
« لا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعادَ »
و
« لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ »
« 22 » .
وقد أشرنا كثيرا إلى اهتمامه ببيان ما ينطوى عليه أسلوب القرآن من شدة الروابط وقوة العلاقات . ولاهتمامه بهذا الأصل البلاغي في نظم الكلام يفضل قراءة على قراءة يقول في قوله تعالى :
« وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى »
« 23 » : « فان قلت :
ما تقول فيمن قرأ « ولو كان ذو قربى » على « كان » التامة ، كقوله تعالى :
« وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ »
؟ « 24 » قلت : نظم الكلام أحسن ملاءمة للناقصة لأن المعنى على أن المثقلة ان دعت أحدا إلى حملها لا يحمل منه شئ ، وان كان مدعوها ذا قربى ، وهذا معنى صحيح ملتئم ، ولو قلت : ولو وجد « ذو قربى » لتفكك وخرج من اتساقه والتئامه « 25 » .
قال الشهاب : لا يلتئم معها النظم لأن هذه الجملة الشرطية كالتتميم والمبالغة في أن لا غياث أصلا ولو قدر المدعو ذا قربى ، ولو
هامش
( 21 ) النمل : 88
( 22 ) الكشاف ج 3 ص 304 ، 305 - والآيات من سور : النمل :
88 ، والبقرة : 138 ، والزمر : 20 ، والروم : 30 .
( 23 ) فاطر : 18
( 24 ) البقرة : 280
( 25 ) الكشاف ج 3 ص 479