القصائد ، وهذا باب من غوامض الشعر ، وقد تجد عنصرا لغويا غريبا في بناء القصيدة ، ويظل هذا العنصر ناتئا عندك لا تستسيغه ولا تستوعبه فيما استسغت واستوعبت من عناصر القصيدة حتى تقع على مناسبته الخفية لعناصر أخرى دخلت في بناء القصيدة .
اقرأ قول الأعشى :
ودّع هريرة إنّ الركب مرتحل * وهل تطيق وداعا أيّها الرّجل
غرّاء فرعاء مصقول عوارضها * تمشى الهوينا كما يمشى الوجى الوحل
كأن مشيتها من بيت جارتها * مرّ السّحابة لا ريث ولا عجل
وتأمل صورة مشى الوجى الوحل ، بين هذه الصور تجدها صورة غريبة نافرة لا تلتئم مع ما حولها .
وتعجب كيف يرمى الأعشى بهذه الصورة الغريبة النافرة ، وهو يصف محاسن هريرة ويتأنق فيها ويبالغ . انظر إلى أول البيت « غراء فرعاء مصقول عوارضها » وكيف تواترت الكلمات تصف النعمة ، والصون ، والنقاء ، والصفاء ، ثم كيف يرمى بها الكلام فجأة في الوحل ، وهي موجوعة الأقدام ، والوجى معناه رقة القدم أو الحافر من الحفى ، وذلك يكون من طول السير على أرض غليظة خشنة ظالمة . . تأمل . . .
وأصحابنا من حذاق البلاغة الحديثة والصورة الجديدة يذكرون أن مثل هذا من التشبيهات الحسية الجامدة التي تجاوزتها الصورة الحديثة ، وأنها تخلو من المناسبة النفسية ، وأن طرفيها يثيران في الحس شعورا متباينا ، إلى آخر هذه « التعويذة » الجديدة التي ينزلون برقاها آبدات المعاني من سماوات الالهام .
والأعشى له من البصر بالشعر ما يعصمه من مثل هذا الاختلال ، وخاصة في مطلع قصيدة هي من أجود شعره ، وفيها من دقائق الصنعة ما يعدل معلقته « ما بكاء الكبير بالأطلال » حتى أنها تذكر دونها .