وقد قيل في الجمع بينهما : إن ذلك بحسب حال الرائي ، فإن رؤيا الصديقين من ستة وأربعين ، ورؤيا عموم المؤمنين الصادقة من سبعين ، واللّه أعلم .
والرؤيا : مبدأ الوحي ، وصدقها بحسب صدق الرائي . وأصدق الناس رؤيا أصدقهم حديثا ، وهي عند اقتراب الزمان لا تكاد تخطئ ، كما قال النبي صلى اللّه عليه وسلم « 1 » . وذلك لبعد العهد بالنبوة وآثارها ، فيتعرض المؤمنون بالرؤيا . وأما في زمن قوة نور النبوة : ففي ظهور نورها وقوته ما يغني عن الرؤيا .
ونظير هذه الكرامات التي ظهرت بعد عصر الصحابة ، ولم تظهر عليهم ، لاستغنائهم عنها بقوة إيمانهم ، واحتياج من بعدهم إليها لضعف إيمانهم . وقد نص أحمد على هذا المعنى . وقال عبادة بن الصامت : « رؤيا المؤمن كلام يكلم به الرب عبده في المنام » ، وقد قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « لم يبق من النبوة إلا المبشرات » قيل : وما المبشرات ، يا رسول اللّه ؟ قال :
« الرؤيا الصالحة ، يراها المؤمن أو ترى له » « 2 » . وإذا تواطأت رؤيا المسلمين لم تكذب . وقد قال النبي صلى اللّه عليه وسلم لأصحابه لما أروا ليلة القدر في العشر الأواخر قال : « أرى رؤياكم قد تواطأت في العشر الأواخر ، فمن كان منكم متحريها فليتحرها في العشر الأواخر من رمضان » « 3 » .
والرؤيا كالكشف ، منها رحماني ، ومنها نفساني ، ومنها شيطاني . وقال النبي صلى اللّه عليه وسلم :
« الرؤيا ثلاثة : رؤيا من اللّه ، ورؤيا تحزين من الشيطان ، ورؤيا مما يحدث به الرجل نفسه في اليقظة ، فيراه في المنام » .
والذي هو من أسباب الهداية : هو الرؤيا التي من اللّه خاصة .
ورؤيا الأنبياء وحي ، فإنها معصومة من الشيطان ، وهذا باتفاق الأمة ، ولهذا أقدم الخليل على ذبح ابنه إسماعيل - عليه السّلام - بالرؤيا .
وأما رؤيا غيرهم : فتعرض على الوحي الصريح ، فإن وافقته وإلا لم يعمل بها .
هامش
( 1 ) مسلم ( 2263 / 6 ) في أول الرؤيا ، وأحمد ( 2 / 269 ) ، وقال الشيخ أحمد شاكر ( 7630 ) : « إسناده صحيح » .
( 2 ) مسلم ( 479 / 207 ) في الصلاة ، باب : النهي عن قراءة القرآن في الركوع والسجود ، وأبو داود ( 876 ) في الصلاة ، باب : في الدعاء في الركوع والسجود .
( 3 ) البخاري ( 1158 ) في التهجد ، باب : فضل من تعار من الليل فصلى ، مسلم ( 1165 / 207 ) في الصيام ، باب : فضل ليلة القدر ، والحث على طلبها .