كانت بين نوح ولوط وامرأتيهما ، فلما لم يغنيا عنهما من اللّه شيئا :
وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ
قطعت الآية حينئذ طمع من ركب معصية اللّه ، وخالف أمره ، ورجا أن ينفعه صلاح غيره من قريب أو أجنبي ، ولو كان بينهما في الدنيا أشد الاتصال ، فلا اتصال فوق اتصال النبوة والأبوة والزوجية ، ولم يغن نوح عن ابنه ، ولا إبراهيم عن أبيه ، ولا نوح ولا لوط عن امرأتيهما من اللّه شيئا .
قال اللّه تعالى :
لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحامُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ
( 3 ) [ الممتحنة : 3 ] وقال تعالى :
يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ
( 19 ) [ الانفطار ] ، وقال تعالى :
وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً
[ البقرة : 123 ] ، وقال :
وَاخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ
[ لقمان : 33 ] . وهذا كله تكذيب لأطماع المشركين الباطلة : أن من تعلقوا به من دون اللّه من قرابة أو صهر أو نكاح أو صحبة ينفعهم يوم القيامة ، أو يجيرهم من عذاب اللّه ، أو يشفع لهم عند اللّه .
وهذا أصل ضلال بني آدم وشركهم ، وهو الشرك الذي لا يغفره اللّه ، وهو الذي بعث اللّه جميع رسله وأنزل جميع كتبه بإبطاله ومحاربة أهله ومعاداتهم .
وأما المثلان اللذان للمؤمنين : فأحدهما : امرأة فرعون ، ووجه المثل أن اتصال المؤمن بالكافر لا يضره شيئا إذا فارقه في كفره وعمله ، فمعصية الغير لا تضر المؤمن المطيع شيئا في الآخرة ، وإن تضرر بها في الدنيا بسبب العقوبة التي تحل بأهل الأرض إذا أضاعوا أمر اللّه ، فتأتي عامة ، فلم يضر امرأة فرعون اتصالها به وهو من أكفر الكافرين ، ولم ينفع امرأتا نوح ولوط اتصالهما بهما ، وهما رسولا رب العالمين .
المثل الثاني : للمؤمنين : مريم التي لا زوج لها ، لا مؤمن ولا كافر .
فذكر ثلاثة أصناف من النساء : المرأة الكافرة التي لها وصلة بالرجل الصالح ، والمرأة الصالحة التي لها وصلة بالرجل الكافر ، والمرأة العزب التي لا وصلة بينها وبين أحد .
فالأولى : لا تنفعها وصلتها وسببها .
والثانية : لا تضرها وصلتها وسببها .
والثالثة : لا يضرها عدم الوصلة شيئا .
ثم في هذا الأمثال من الأسرار البديعة ما يناسب سياق السورة ، فإنها سيقت في ذكر أزواج النبي صلى اللّه عليه وسلم والتحذير من تظاهرهن عليه ، وأنهن إن لم يطعن اللّه ورسوله ويردن الدار