وقال أبو محمد بن قتيبة : « كل شيء يلهث فإنما يلهث من إعياء أو عطش ، إلا الكلب فإنه يلهث في حال الكلال ، وحال الراحة ، وحال الصحة ، وحال المرض والعطش » « 1 » فضربه اللّه مثلا لمن كذب بآياته ، وقال : إن وعظته فهو ضال ، وإن تركته فهو ضال كالكلب ، إن طردته لهث وإن تركته على حاله لهث .
ونظيره قوله سبحانه :
وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَتَّبِعُوكُمْ سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَ دَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ
( 193 ) [ الأعراف ] .
وتأمل ما في هذا المثل من الحكم والمعنى :
فمنها : قوله :
آتَيْناهُ آياتِنا
، فأخبر - سبحانه - أنه هو الذي آتاه آياته ، فإنها نعمة ، واللّه هو الذي أنعم بها عليه ، فأضافها إلى نفسه .
ثم قال : فانسلخ منها ، أي خرج منها ، كما تنسلخ الحية من جلدها ، وفارقها فراق الجلد يسلخ عن اللحم ، ولم يقل : فسلخناه منها ، لأنه هو الذي تسبب إلى انسلاخه منها باتباع هواه .
ومنها : قوله : سبحانه
فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ
أي لحقه وأدركه ، كما قال في قوم فرعون :
فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ
( 60 ) [ الشعراء ] ، وكان محفوظا محروسا بآيات اللّه محمي الجانب بها من الشيطان ، لا ينال منه شيئا إلا على غرة وخطفة ، فلما انسلخ من آيات اللّه ظفر به الشيطان ظفر الأسد بفريسته ، فكان من الغاوين العاملين بخلاف علمهم ، الذي يعرفون الحق ، ويعلمون بخلافه كعلماء السوء .
ومنها : أنه - سبحانه - قال :
وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها
، فأخبر - سبحانه - أن الرفعة عنده ليست بمجرد العلم ، فإن هذا كان من العلماء ، وإنما هي باتباع الحق وإيثاره ، وقصد مرضاة اللّه ، فإن هذا كان من أعلم أهل زمانه ، ولم يرفعه اللّه بعلمه ، ولم ينفعه به ، فنعوذ باللّه من علم لا ينفع .
وأخبر - سبحانه - أنه هو الذي يرفع عبده إذا شاء بما آتاه من العلم ، وإن لم يرفعه اللّه فهو موضوع ، لا يرفع أحد به رأسا ، فإن الخافض الرافع - سبحانه - خفضه ولم يرفعه .
والمعنى : لو شئنا فضلناه وشرفناه ، ورفعنا قدره ومنزلته بالآيات التي آتيناه :
قال ابن عباس : ولو شئنا لرفعناه بعمله بها .
وقالت طائفة : الضمير في قوله :
لَرَفَعْناهُ
عائد على الكفر ، والمعنى : لو شئنا لرفعنا
هامش
( 1 ) تأويل مشكل القرآن ( 369 ) .