كل فعل من أفعال الآية بالصّالح لأن يقع فيه ذلك العدول من الماضي إلى المضارع ، بل المرجع في هذا إلى طبيعة حدث هذا الفعل وعلاقته بالسياق والقصد المنصوب له الكلام .
ومن البيّن أنّ بعض البلاغيين يجعل مثل هذا التّصريف البيانيّ القائم على العدول من " الماضي " في ( أرسل الرياح ) إلى " المضارع " في ( فتثير سحابا ) من قبيل الالتفات الذي هو من شجاعة العربية ، ولا يقصر " الالتفات " على التصرف في أنواع " الضمير " المتحدة المرجع على ما عليه جمهور البلاغيين . وممن يعدّ مثل هذه الآية من " الالتفات " " الضياء بن الأثير " ( ت : 637 ه ) في " المثل السائر " ، وقد فصّل القول في منهاجه في كتابي قراءة في المثل السّائر
* * * ويتدبر " البقاعى " موقع " المضارع " بين اسمى فاعلين في قول الحق عزّ وجلّ
إِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ
( الأنعام : 95 )
يشير إلى أن معنى ( فالق الحب والنوى ) فاطره وشاقه عن الزرع والنبات ، وعبّر بذلك ، لأنّ الشيء قبل وجوده كان معدوما والعقل يتوهم ويتخيل من العدم ظلمة متصلة ، فإذا أخرج من العدم المحض والفناء الصرف ، فكانّه بحسب التخيل والتوهم سبق ذلك العدم " « 1 »
ففلق الحب والنوى إنّما هو ضرب من الإحياء أي إخراج حي من ميت ، لأنّ في النبات نموّا ، ومن هنا " فسر الحق عزّ وجلّ معنى الفلق وبينه ، إشارة إلى الاعتناء به وقتا بعد وقت ، بقوله " يخرج " على سبيل التجديد والاستمرار تثبيتا لأمر البعث ( الحي . . . من الميت ) . . . ولما انكشف معناه وبان مغزاه بإخراج الأشياء من أضدادها ؛ لئلا يتوهم - لو كان لا يخرج عن الشيء إلا مثله - أن الفاعل الطبيعة والخاصية ، عطف على فالق زيادة في البيان قوله معبرا باسم الفاعل الدال على الثبات ، لأنه لا منازعة لهم فيه ، فلم تدع الحاجة إلى التعبير بالفعل الدال على التجدد ( وخرج الميت . . . من الحي ) « 2 »
المضارع في : ( يخرج الحي ) يكشف عن حقيقة قوله : ( فالق ) ، وفي البيان بالمضارع هنا تناسب مع السياق الخاص بالآية ، وهو البعث ، كما لا يخفى ، ومع السياق العام ، والمقصود الأعظم لسورة " الأنعام " وهو الإيجاد الأول ، والحمد للّه عليه ، فجمع بين الإيجادين : الأول تصريحا ،
هامش
( 1 ) - نظم الدرر : 7 / 194
( 2 ) - السابق : 7 / 198