بخضوعها لمن هو دونكم أنتم . . . ( فتوبوا إلى بارئكم ) الذي فطركم من قبل أن تتخذوا العجل بريئين من العيب مع إحكام الخلق على الأشكال المختلفة .
وقال " الحرالّيّ " : البارئ اسم قائم بمعنى البرء ، وهو إصلاح المواد للتصوير ، كالذي يقطع الجلد والثوب ليجعله خفّا وقميصا ، وكالذي يطحن القمح ويعجن الطين ليجعله خبزا وفخارا ونحو ذلك ، ومعناه التدقيق للشيء بحسب التهيؤ لصورته . انتهى "
. . . ( فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم ) أي القادر على إعدامكم كما قدر على إيجادكم .
وفي التعبير بالبارئ ترغيب لهم في طاعته بالتذكير بالإحسان وترهيب بإيقاع الهوان . . " « 1 »
في استحضار معنى ( بارئ ) ما يهزّ النفس الساعية إلى تدنيس ما فطره اللّه سبحانه وتعالى بريئا من دنس الشرك به ، وهذا ضرب من الإفساد ، وليس أعظم إفسادا ممن يفسد نفسه المفطورة على التوحيد البريئة من الشرك ، فإنّ مثل هذا لا يؤتمن على غيره ، فمن خان نفسه التي بين جنبيه ولم يحفظها فإنّ خيانته غيره أشد وأنكلى .
وفي هذا تنفير لهذه الأمة المحمّدية من أن تسلك مسالك الخائنين أنفسهم المدنسيها بالشرك
ورأس أولئك اليهود عليهم من اللّه سبحانه وتعالى ما يستحقون من اللعن والهوان والنكال في الدارين . « 2 »
هامش
( 1 ) - نظم الدرر : 1 / 372 - 373
( 2 ) - ومما هو من الاستطراد غير العقيم تفريق " الطيبيّ " بين الأسماء الثلاثة ( الخالق البارئ المصور )
" قال الطيبيّ : قيل إنّ الألفاظ الثلاثة مترادفة ، وهذا وهم ، فإنّ الخالق من الخلق ، وأصله التقدير المستقيم ، ويطلق على الإبداع ، وهو إيجاد الشيء على غير مثال ، كقوله تعالى " خلق السّماوات والأرض " ، وعلى التكوين كقوله تعالى : " خلق الإنسان من نطفة " .
والبارئ من البرء ، وأصله خلوص الشيء عن غيره ، إمّا على سبيل التّفصّي منه ، وعليه قولهم : برء فلان من مرضه ، والمديون من دينه ، ومنه استبرأت الجارية ، وإمّا على سبيل الإنشاء ، ومنه برأ اللّه النسمة .
وقيل : البارئ الخالق البريء من التفاوت والتنافر المخلين بالنظام .
والمصوّر مبدع صور المخترعات ومرتبها بحسب مقتضى الحكمة من غير تفاوت ولا اختلال ومصوّره في صورة يترتب عليها خواصّه ويتمّ بها كماله .