* * * ومن مشتبه النظم الذي تلبث البقاعيّ عنده ما جاء من تأخير ( التزكية ) عن التعليم في دعوة أبي الأنبياء إبراهيم عليه السّلام وتقديمها عليه في غيرها ، قال اللّه سبحانه وتعالى :
رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
( البقرة : 129 )
لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ
( آل عمران : 164 )
هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ
( الجمعة 2 )
هذه ثلاث آيات قدمت التزكية على التعليم في أولاها وقدّم التعليم على التزكية في الأخريين فما وجه البيان بذلك ؟
ينظر البقاعي في تأويل التشابه النظمي بالتقديم والتأخير إلى معنى الكلمة المقدمة والسياق الذي وردت فيه ومن كان الكلام بشأنهم .
نظر فرأى أن آية سورة " البقرة " الحاكية دعاء أبي الأنبياء : إبراهيم عليه السّلام إنّما هي بشأن الدعاء للأمة المسلمة ( ذريتي ) وهي لا تكون كذلك إلا إذا كانت مكتسبة التزكية من الشرك بأصل الإسلام المتسمة به ، فالتزكية المطلوبة هنا ليست هي التزكية من الشرك بل هي تزكية تؤسس على سبق علم بالكتاب والحكمة أي هي تزكية ترقّ في مقامات الطاعة والقرب .
والتزكية في سورة الجمعة هي تزكية من الشرك بها يتأسس أصل الإيمان ؛ لأنّ السياق للحديث عن الأميين هم أمّة الدعوة وفيهم من الشرك ما فيهم فكأنّ التزكية هنا ليست هي التي طلبها سيدنا إبراهيم عليه السّلام لقومه في آية سورة " البقرة "
التزكية هنا تحتاج إلى أن تسبق تعليم الكتاب والحكمة ، لأنّ تعليمها لا يثمر لمن كان قلبه غير مزكّى من الشرك ، ومن ثم قدّمت التزكية من الشرك على تعليم الكتاب والحكمة .
ويبقى ما في آية " آل عمران " والسياق للحديث عن المؤمنين وهم مزكون من الشرك ، فكان مقتضى الظاهر أن تؤخر التزكية على التعليم كما كان في دعاء سيدنا إبراهيم عليه السّلام ولكن البقاعيّ يلحظ أمرا مهمّا ، وهو أنّ آية " آل عمران " جاءت في سياق عتاب المؤمنين في