فتشوقت النفس إلى بيان حاله بين أنّه الذل ، فقال عاطفا ب " الواو " ليصلح لما قبل ولما بعد
وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ
. . . " « 1 »
وهو يوجه العطف ب " الواو " بأنه كان ليصلح قوله
قَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ
أن يشير إلى رعبين :
* الرّعب الذي أنزلهم من صياصيهم
* والرعب الذي ملأهم ، وهم في قبضة المسلمين .
أحدهما قبل الإنزال ، والآخر بعده
وقد صرح بالرعب الثاني
وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ
لهول ما ترتب عليه ، وهو قوله : جلّ جلاله
فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً
بخلاف ما ترتب عليه الإنزال الأول .
ويتدبر تقديم المفعول في
فَرِيقاً تَقْتُلُونَ
فيرى أنه " لمّا ذكر ما أذلّهم به ذكر ما تأثر عنه مقسّما له فقال ( فريقا ) فذكره بلفظ الفرقة ، ونصبه ليدل بادئ بدء على أنّه طوّع لأيدي الفاعلين ( تقتلون ) وهم الرجال ، وقد كانوا نحو سبع مائة .
ولمّا بدأ بما دلّ على التقسيم مما منه الفرقة ، وقدّم أعظم الأثرين الناشئين عن الرعب أولاه الأثر الآخر ؛ ليصير الأثران المحبوبان محتوشين بما يدل على الفرقة ، فقال : ( وتأسرون فريقا ) وهم الذراري والنساء .
ولعله أخر الفريق هنا ليفيد التخيير في أمرهم ، وقدم الرجال لتحتم القتل فيهم " « 2 »
جلى البقاعي عطاء مادة ( فريق ) وإيقاعه مفعولا ، دون أن يرفع ليجعل مسندا إليه فيقال : وفريق تقتلون أي تقتلونه ، وتفاعل العطاءين :
المادة والموقع ( المفعولية ) لتصوير الهوان الذي حاق بهم مما يؤكد ويبين ثراء الكلمة القرآنية وتكاثر روافد الدلالة والإفادة ، ويبيّن يقظة البقاعي في تدبره النّافذ .
وفي التقديم فوق ما ذكر تشويق النفس المسلمة التي عاشت لحظات القلق على مصير الإسلام ، فيأتي الفعل بعد تحديد المفعول ليحدد مصير الفريق المقدّم ، فإذا ما أضيفت إليه دلالة إسناد الفعل إلى المسلمين ، بينما الأفعال السابقة أسندت إلى الحق سبحانه وتعالى ، فإن العطاءين يتناغيان بما فيه شفاء النفوس التي عانت أقصى لحظات القلق .
هامش
( 1 ) - نظم الدرر : نظم الدرر : 15 / 333
( 2 ) - الموضع السابق