* * * * * لا ريب في أنّ أساليب وأنماط البناء التركيبيّ إنما هي أساليب وأنماط جدّ عديدة لا تكاد يحاط بها فضلا عن أن تحصى ، وهذا يقيمنا في مقام المضطر إلى أن يأخذ وأن يدع ، وأن يجمل وألا يستوفي التفصيل فيما يأخذ ، فثمّ معابتان لا قبل لي أن أتطهر منهما :
معابة أخذ بعض الأساليب وترك بعضها ،
ومعابة الإجمال أو الاكتفاء من الأسلوب ببعض صوره ، فهذه معابة في البحث العلمي نكراء أبغضها أيّما إبغاض .
كم كنت راغبا في ألا أتلطخ بأي منهما ولكنّ الغاية التي نصبت لهذا البحث لا تدع لي مجالا للتقية .
* * * ومن النظم التركيبيّ الذي عنى به البقاعي مثلا التخصيص ومسالكه الذي يطلق عليه البلاغيون ( القصر )
ومن البيّن أنّ مسالك التخصيص في العربية جدّ عديدة ، وإن كانت عناية البلاغيين بضرب ذي خصوصية في الدلالة على التخصيص ، فهم في دراستهم لطرق القصر اختاروا طرائق معينة ( النفي والاستثناء ، وإنما ، والتقديم ، والعطف ب ( بل ) و ( لكن ) ، و ( لا ) وضمير الفصل وتعريف الطرفين .
وكان معيار الاصطفاء هو طريق الدلالة على ذلك المعنى ، وليس كلّ ما دلّ على التخصيص عند غير البلاغيين هو من التخصيص الاصطلاحي عند البلاغيين الذي يسمونه ( القصر )
ومن ثمّ فإنّ دراسة طرق القصر عند البلاغيين هو - عندي - من علم البيان وليس من علم المعاني . « 1 »
هامش
( 1 ) - علم البيان هو العلم المعنىّ بدراسة طرائق الدلالة على المعاني ، وليس هو بالمعنىّ بدراسة المعاني نفسها ولا دراسة كيفية تركيب وتأليف الصورة الدالة على المعنى
علينا أن نفرّق بين دراسة المعنى نفسه من حيث هو ، ودراسة الصورة الدالة عليه من حيث منهاج تأليفها ، ودراسة صورة المعنى من حيث وجه دلالتها وطريق دلالتها على ذلك المعنى .
كلّ دراسة لطريق دلالة الصورة على المعنى هي من علم البيان أيّا كانت الصورة : تشبيها أو تقديما أو حذفا ، أو أمرا أو نهيا أو فصلا ووصلا أو تورية أو مطابقة أو تجنيسا . . . إلخ ومن ثمّ فإن علم البيان وسيع غير محصور في التشبيه والمجاز