تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم — صفحة 23

مساهمون:

ص٢٣
وأظن أن هذه المرحلة هي التي كان من ثمارها أن صار واحدا مما لا يمكن أن يستغنى عن تراثه طالب علم مجدّ في علوم القرآن الكريم ، فهو يمتاز في هذا على أقرانه كالسخاوي أن ما قدمه لنا من التراث العلمي لا يمكن أن يغنى عنه غيره ، ولا سيما تفسيره الجليل : " نظم الدرر في الآيات والسور " أما السخاويّ فإنّه وإن قدّم لنا ما يحمد له فإنّ في ما قدمه غيره ما يغني عنه . والبقاعي يتميز عن تلميذه السيوطيّ بأنّ السيوطي وإن كان أكثر شهرة وتأليفا فإنّ ما قدمه يغلب عليه أنّ له فيه الجمع والترتيب والتصنيف ، وليس له منه ما يتفرّد به على غيره ، فمن خلل كثيرا من أسفار " السيوطي " أمكنه أن يعيد ما فيها إلى أصحابها من العلماء السابقين أو المصاحبين للسيوطيّ فلا يبقى له منها ما يمكن أن يشار إليه ، وليس للمرء من أسفاره إلّا ما أنتجه قلبه من دقائق العلم لا ما وعته حافظته من مقولات الآخرين ، ولا سيما في زماننا هذا الذي أضحت فيه أدوات حفظ المعرفة جد عديدة ويسيرة . البقاعيّ له في تفسيره على الأقل كثير جدا مما لا تكاد تجده عند سابق عليه أو مصاحب له ، فإنّ شخصيته العلمية قائمة في تفسيره تجوبه وتقطعه طولا وعرضا فلا يكاد يغيب عنك جرسه ونفسه ، وذلك شأن العالم الماجد ، ومن ثمّ فإنّي أزعم أنّه هو وشيخه " ابن حجر " من المجددين في القرن التاسع الهجري . * * * * *

المرحلة الثالثة : من سنة 880 - 885

تبدأ هذه المرحلة بخروجه من القاهرة إلى دمشق ، وتنتهي برحيله إلى ربّه الرحمن الرحيم . في دمشق يتلقاه " ابن قاضي عجلون " ( ت : 928 ) وتلاميذه ويبالغ في إكرامه وإجلاله لما بلغه من علمه ، ويبقى في كرم ابن قاضي عجلون إلى أن تنشب فتنة تعرف بفتنة ( ليس في الإمكان أبدع مما كان ) وهي قضية فلسفية قال بها " الغزاليّ " ، ويتصدى لها " البقاعي " ويفنّد آراء القائلين بها ويؤلّف في هذا ولا يرتضي منه " ابن قاضي عجلون " ذلك ، تعصبا للغزاليّ ولا يلين البقاعيّ ، فإن الرجال بالحق وليس الحق بالرجال ، وليس الغزاليّ أو غيره خلا النبي صلّى اللّه عليه وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما كثيرا بالمعصوم من أن يردّ عليه بعض ما يأتي به ، فينصرف