روى " مسلم " في صحيحه من كتاب : صلاة المسافرين : باب فضل قراءة القرآن وسورة البقرة بسنده عن أبي أمامة الباهليّ رضي اللّه عنه أنّه سمع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما كثيرا يقول :
" اقرءوا القرآن ، فإنّه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه .
اقرءوا الزّهراوين : البقرة وسورة آل عمران ، فإنّهما تأتيان يوم القيامة كأنّهما غمامتان أو كأنّهما غيايتان أو كأنّهما فرقان من طير صوافّ تحاجّان عن صاحبهما .
اقرءوا سورة البقرة فإنّ أخذها بركة ، وتركها حسرة ، ولا يستطيعها البطلة " ( حديث رقم : 252 / 804 )
فهذا دالّ دلالة جليلة على ما بين هاتين السورتين من التناسب والتآخي ، والتناسل والتناغي .
والبقاعي كما سمعته لم يكتف ببيان تعالق مقصود سورة ( آل عمران ) بمقصود سورة ( البقرة ) بل إنّه ليمد النظر إلى علاقة مقصود سورة ( النساء ) بما قبلها
في مفتتح تأويله سورة " النساء " يبيّن لنا ما به يتقرر العلم ويتأكّد أنّ مقصودها مبنيّ على مقصود " آل عمران " المبنيّ على مقصود سورة " البقرة " قائلا :
" مقصودها : الاجتماع على التوحيد الذي هدت إليه " آل عمران " ، والكتاب الذي حدت عليه " البقرة " ؛ لأجل الدين الذي جمعته " الفاتحة " تحذيرا مما أراده " شاس بن قيس " ، وأنظاره من الفرقة " « 1 »
وأنت إذ تنظر في الأحكام والآداب التي قامت بها سورة " النساء " ترى أنها أحكام وآداب تحقق للمجتمع الآخذ بها اجتماعه على أساس الدين :
" التوحيد " .
هذا الأساس إذا ما أقيمت عليه علائق أي مجتمع بحيث تكون حركته مرتبطة باليقين بأنّه ليس لهذا الكون إلا إله واحد وخالق واحد ومالك واحد ومنعم واحد ومانع واحد . . . . فإنّك لن ترى في هذا المجتمع ما تراه في غيره من المجتمعات التي لا تؤسّس دينها على التوحيد الخالص .
ويأتي تأويل " البقاعي " وتبيانه المقصود الأعظم لسورة " المائدة " فلا يخرج عن ذلك المنهاج ، فيقول :
" مقصودها الوفاء بما هدى إليه الكتاب ، ودلّ عليه ميثاق العقل من توحيد الخالق ورحمة الخلائق شكرا لنعمه واستدفاعا لنقمه " « 2 »
هامش
( 1 ) - نظم الدرر : 5 / 169
( 2 ) - السابق : ج 6 ص : 1