تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإقتصاد و الإجتماع ( موسوعة ومضات اعجازية ) — صفحة 165

مساهمون:

ص١٦٥
الشافعي فيقول : وركبنا جميعا ، فو اللّه لكان كما قال ، لقد أصابنا من تراب العتيق فتقدم رجل منا فقرع الباب فخرجت إلينا جارية سوداء فقال لها الأمير : قولي لمولاك أني بالباب . فدخلت ثم خرجت فقالت : إنّ مولاي يقرئك السلام ويقول إن كان لديك مسألة فارفقها في رقعة يخرج إليك الجواب وإن كان للحديث فقد عرفت يوم المجلس فانصرف . فقال لها الأمير : قولي له إنّ معي كتاب والي مكة إليه في حاجة . . . فدخلت وخرجت وإذا بمالك قد خرج وعليه المهابة والوقار وهو شيخ طويل مسنون اللحية ، فرفع الوالي الكتاب إلى الإمام مالك فطفق يقرأه فلما بلغ إلى هذا : " إنّ هذا رجل يهمني أمره وحاله فتحدثه . . . وتفعل . . . وتصنع . . . " . فرمى مالك الكتاب من يده ثم قال : سبحان اللّه أو صار علم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يؤخّذ بالرسائل ؟ ! ! ! قال الشافعي : فرأيت الوالي قد تهيّب أن يكلّمه فتقدمت وقلت : " أصلحك اللّه . . . إني رجل مطلبيّ من بني المطّلب وحدّثته عن حالتي وقضيتي فلما سمع كلامي نظر إلي وكان لمالك فراسة فقال : ما اسمك ؟ قلت : محمد ، فقال : " يا محمد إنه سيكون لك شأن وأي شأن ، إنّ اللّه تعالى قد ألقى على قلبك نورا فلا تطفئه بالمعصية . إذا جاء الغد تجيء مصطحبا معك ما تقرأ به . وطلب منه أن يأتي بمن يقرأ له الموطأ لصغر سنه ولكن الشافعي جاءه في اليوم الثاني ومعه الموطأ وبدأ يقرأ عن ظهر غيب والكتاب في يده . وكلما قرأ قليلا تهيّب مالكا وأراد أن يقطع ولكن أعجب مالك حسن قراءته وإعرابه فقال : زد يا فتى ، حتى قرأ عليه الموطأ في أيام يسيرة . قال مالك عنه : ما يأتيني قرشي أفهم من هذا الغلام ، وقال : إن يك يفلح فهذا الغلام . ولازم الشافعي مالكا تسعة أعوام ولم ينقطع عنه إلا لزيارة أمّه أو لرحلة علمية وكان قد ذهب في بعض الرحلات إلى العراق وحصل ثروة من علم أبي حنيفة . وتلقى الشافعي علومه من مالك ومن باقي علماء المدينة . وكانت المدينة أجلّ بلد حافظ على الطابع الإسلامي الأصيل ، وأكثر الصحابة كانوا فيها ، فإنّ النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بعد رجوعه من حنين ترك فيها نحو اثني عشر ألف صحابي ، لبث فيها نحو عشرة آلاف ، ثم ماتوا فيها وتفرّق في سائر الأقطار نحو ألفين . وما كان يوثق بعلم العالم في جميع أقطار الخلافة الإسلامية إلا أن يؤم المدينة ، يختلف إلى علمائها ويروي عن حفاظها . وفي إحدى رحلات الشافعي العلمية غاب عن المدينة زهاء عامين وكان دائم السؤال عن شيخه مالك ، ويوم عاد دخل الحرم النبوي وتهيّأ للجلوس في حلقة مالك وما هي إلا