تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاتجاه العقلي في التفسير — صفحة 238

مساهمون:

ص٢٣٨
يحاول الأشعري التعبير عنها في هذا النص أن الآية وردت مورد الرد على المشركين والكفار الذين ظنوا أنهم لن يحاسبوا على ما قدّمت أيديهم . فأخبرهم اللّه تعالى أنه لم يخلق هذا العالم بسماواته وأرضه عابثا ولا لاهيا ، وإنما هو سبحانه قد خلق العالم للتكليف والثواب والعقاب . ورغم أن هذا المعنى الواضح يتسق مع سياق الآية في السورة ، فإن القاضي عبد الجبار يذهب إلى القول بأن هذا المعنى الواضح الظاهر مجاز « فإن قال : أراد بذلك : لم أخلقهما على جهة العبث ، بل خلقتهما للأمر والنهي والتعريض . قيل له : هذا هو مجاز ، وحمل الكلام على الحقيقة هو الواجب » 314 . ومن الصعب الاتفاق مع القاضي على مجازية هذا المعنى ، لكن للقاضي عذره في هذا التأويل المجازي البعيد . ويبدو أن الذي ألجأ القاضي إلى الاستدلال بهذه الآيات لفظ « وما بينهما » حيث توهم أن أعمال العباد تقع في هذا الحيز بين السماء والأرض . فإذا نفى اللّه الباطل عن خلقه للسماوات والأرض وما بينهما ، فإنه بذلك يكون قد نفى أفعال العباد ، ومنها الحق والباطل ، أن تكون من خلقه « وقد يقال في أفعال العباد أنها بينها بالتعارف ، فليس لأحد أن يمنع دخول ذلك فيه من جهة الظاهر ، وباطل في هذا الموضع المراد به القبيح ، ولهذا تمدّح تعالى بذلك ، وتمدحه به ، يدل على أن اثبات ما تمدّح بنفيه ذم ، فلا يجوز أن يثبت في فعله شيء باطل » 315 . وآخر ما يستدل به المعتزلة قوله تعالى
وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ ، لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتابِ ، وَما هُوَ مِنَ الْكِتابِ ، وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ، وَهُمْ يَعْلَمُونَ
( آل عمران / 78 ) « فنفى أن يكون لي ألسنتهم بالكتاب من عند اللّه ، ولو كان من فعله لم يصح ، على هذا القول » 316 . ويظل القاضي يدور في دائرة الاستدلال بدليل الخطاب لا بظاهره ، ويظل الأشعري أقرب إلى ادراك المعنى المباشر للآية ، وهو « أنهم حرفوا وصف رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأوهموا السفيه منهم أنه من كتابهم . قال اللّه تعالى
وَما هُوَ مِنَ الْكِتابِ ، وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ
يعني أن اللّه تعالى أنزله . قال اللّه
وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ
أي لم أنزل عليهم ذلك كما يدّعون » 317 . ويحاول القاضي عبد الجبار - جاهدا - أن يؤول الآية لتسلم له بدلالتها على نفي أن يكون الفعل الانساني مخلوقا للّه . ولكي يفعل القاضي ذلك يستند إلى أن النفي في الآية كما يؤكد أن اللّه لم ينزل ما قاله أهل الكتاب ، يؤكد كذلك أن اللّه لم يفعله ، وبذلك يثبت أنهم هم الفاعلون له بمعنى أن تكرار النفي يؤكد نسبة التحريف إليهم دون اللّه « إن ما لم ينزله ويفعله ، لا يجوز أن ينفي أن يكون من