صحّ منه ذلك من حيث جعله تعالى على الصفات التي لولا كونه عليها لما صح منه أن يحدث ويفعل » 252 .
ولكن الخلاف حول هذه القضايا بين المعتزلة وخصومهم خصوصا الأشاعرة لم يكن خلافا فكريا معزولا عن محاولة الاستدلال بالنص القرآني لتأكيد وجهة نظر كل فريق . ومن الطبيعي أن يجد كل فريق في القرآن ما يؤيد وجهة نظره ، وأن يحاول من ثمّ أن يتأوّل الآيات التي يستشهد بها خصمه على صحة ما يذهب إليه .
وفي هذه القضية ، كما في غيرها من القضايا ، سارع المعتزلة إلى اعتبار ما يدعم وجهة نظرهم محكما يدل بظاهره وما يدعم وجهة نظر الخصوم متشابها لا يدل بظاهره ، بل هو في حاجة للتأويل الذي يرده إلى المحكم . وتتساوى القرائن التي يقوم على أساسها التأويل ، لفظية كانت أم عقلية ما دامت تنتهي إلى رفع التناقض الظاهري بين آيات القرآن أولا ، وإلى تأكيد قضية العدل الإلهي ومسؤولية الانسان ثانيا .
( 2 ) يستدل المعتزلة بمجموعة من الآيات على نفي إرادة اللّه للقبيح والكفر ، وذلك سعيا لتأكيد خيريته أولا ، وإلى تحميل الانسان مسؤولية فعله ثانيا . وما دام هدفنا هو الكشف عن العلاقة بين الوظيفة التأويلية للمجاز وبين الفكر الاعتزالي ، فسنكتفي بالأمثلة الخلافية الحادة دون الاستقصاء الدقيق لكل الآيات التي ترتبط بهذه القضية .
والدليل الأول الذي يستدل به المعتزلة في هذا الصدد قوله تعالى
وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
( الذاريات / 56 ) « وهذا يدل على أن اللّه تعالى لا يريد من العباد إلّا العبادة والطاعة ، لأن هذه اللام لام الغرض ، الذي يسميه أهل اللغة : لام كي ، بدليل أنهم لا يفصلون بين قول القائل : دخلت بغداد لطلب العلم ، وبين قوله دخلت وغرضي طلب العلم . ويدلّ أيضا على أن هذه الأفعال محدثة من جهتنا ومتعلقة بنا ، وإلّا كان لا معنى لهذا الكلام » 253 أي أن اللّه خلق العباد لكي يعبدوه ، وأراد منهم ذلك فقط دون الكفر به ، أو بعبارة الزمخشري « إنما أراد منهم أن يعبدوه مختارين للعبادة لا مضطرين إليها لأنه خلقهم ممكنين فاختار بعضهم ترك العبادة مع كونه مريدا لها ولو أرادها على القسر والالجاء لوجدت من جميعهم » 254 .
ومن الطبيعي أن يحتاج هذا الدليل لتأويل الأشاعرة حتى يتسق مع أصولهم .
ويطرح الباقلاني ثلاثة تأويلات لهذه الآية « أحدها : أنه أراد بعض الجن والانس .