تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاتجاه العقلي في التفسير — صفحة 214

مساهمون:

ص٢١٤
غير أن الزمخشري يرى أن في الآية تمثيلا « للاستخفاف بهم واهانتهم لأنه لا يؤذن على الملوك إلّا للوجهاء المكرمين لديهم ، ولا يحجب عنهم إلّا الأدنياء المهانون عندهم » 232 . وفكرة التمثيل فكرة بلاغية أرحب من فكرة الحذف النحوية ، إلى جانب أنها تخفف من جفاف التأويل العقلي وتعود بالآية إلى رحابة التصوير الفني الذي يثير مشاعر المؤمن ويغذي وجدانه . ويستخدم القاضي عبد الجبار نفس السلاح النحوي ، أعني سلاح الحذف ، حين يتعرض للرد على الخصوم في تمسكهم بقوله تعالى
تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ
( الأحزاب / 44 ) وكذلك قوله :
فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً
( الكهف / 110 ) إلى غير ذلك من الآيات التي ذكر فيها اللقاء مضافا إلى اللّه عز وجل . وإلى جانب استخدامه سلاح الحذف ، يلزم الخصوم على قولهم بأن لقاء اللّه هو رؤيته ، يلزمهم على هذا القول أن المنافقين أيضا سيرونه لأنه تعالى قال :
فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ
( التوبة / 77 ) على أساس أن هذه الآيات لو كانت « دالّة على أن المؤمنين يرون اللّه تعالى » لوجب في قوله :
فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ
أن يدل على أن المنافقين أيضا يرونه ، وهم لا يقولون بذلك ، فليس إلّا أن الرؤية مستحيلة على اللّه تعالى في كل حال ، وأن لقاءه في هذه الآية محمول على عقابه ، كما في تلك الآية محمول على ثواب اللّه أو لقاء ملائكته » 233 . وتحديد المحذوف في الآية لا يتم عشوائيا وإنما يستند المعتزلة على القرآن نفسه في تحديد هذا المحذوف فيكون « المراد بقوله تعالى
تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ
أي يوم يلقون ملائكته ، كما قال في موضع آخر :
وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَيْكُمْ
( الرعد / 23 ) . وأمّا قوله عز وجل :
فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً
أي ثواب ربه ، ذكر نفسه وأراد غيره . كما قال في موضع آخر :
وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ
أي إلى طاعة العزيز الغفار ، وقال :
إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي
أي إلى حيث أمرني ربي ، وكقوله :
وَجاءَ رَبُّكَ
أي وجاء أمر ربك ، وقوله :
وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ
يعني أهل القرية ، ونظائر هذا أكثر من أن تحصى » 234 . والأساس الذي يقيم المعتزلة عليه تأويلهم للقاء وأنه غير الرؤية أساس لغوي يستند إلى « أن اللقاء ليس هو بمعنى الرؤية ، ولهذا استعمل أحدهما حيث لا يستعمل الآخر ، ولهذا فإن الأعمى يقول : لقيت فلانا وجلست بين يديه وقرأت عليه ، ولا يقول رأيته . وكذلك فقد يسأل أحدهم غيره هل لقيت الملك ؟ فيقول : لا ، ولكن رأيته على القصر . فلو كان أحدهما بمعنى الآخر لم يجز ذلك ، فثبت أن
الاتجاه العقلي في التفسير — صفحة 214 | نصر حامد أبو زيد