يجعل المعتزلة ينكرون أن النظر بمعنى الانتظار مجاز وذلك حتى لا يتهموا بحمل الآية على تأويلين ومجازين ، ولكن هذا الانكار لمجازية « النظر » ينساه المعتزلة - أعني القاضي عبد الجبار - ليعودوا من جديد معترفين بأن النظر بمعنى الانتظار مجاز .
يقول القاضي عبد الجبار في انكاره لمجازية « النظر » في الآية « إن ما ادعيته من أن النظر بمعنى الانتظار مجاز ليس بمسلّم ، لأنهم قد استعملوه فيه على وجه قد اطرد كاستعمالهم ذلك في النظر بالعين ، فلا يمتنع أن يكون ما له سمى الجميع ذلك نظرا يرجع إلى معنى واحد وهو الطلب ، فكأن المفكر المعتبر يطلب المعرفة بحال ما يفكر فيه ، والناظر يطلب الرؤية ، والمنتظر يطلب ما يتوقعه من جهة غيره ، فمعنى الطلب في الجميع يتساوى على ما ذكرناه . ومتى صح حمل الجميع على أنه مأخوذ من وجه واحد ، وموضوع في اللغة بطريقة واحدة ، فما أوجب كونه حقيقة في البعض يوجب كونه حقيقة في الكل » 217 ويبني القاضي عبد الجبار انكاره لمجازية « النظر » بمعنى الانتظار على أساسين : الأساس الأول أن الرؤية والانتظار والفكر كلها ترجع لمعنى الطلب . وبذلك يكون استعمال « النظر » بمعنى الطلب ، ليستوعب كل هذه المعاني ، حقيقة وليس مجازا . الأساس الثاني أن العرب قد استعملت النظر بمعنى الانتظار على وجه قد اطرد كاستعمالهم ذلك في النظر بالعين ويورد القاضي شواهد من استعمالهم « نظر » بمعنى « انتظر » « والنظر بمعنى الانتظار قد ورد قال تعالى :
فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ
( البقرة / 28 ) أي فانتظار وقال جل وعز فيما حكي عن بلقيس
فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ
( النمل / 35 ) أي منتظرة . وقال الشاعر :
فإن يك صدر هذا اليوم ولى * فإن غدا لناظره قريب
أي لمنتظر . وقال آخر :
وان امرأ يرجو السبيل إلى الغنى * بغيرك عن حد الغنى جد جائر
تراه على قرب وإن بعد المدى * بأعين آمال إليك نواظر
وقال آخر :
وجوه يوم بدر ناظرات * إلى الرحمن يأتي بالخلاص
وقال الخليل : إنما يقال أنظر إلى اللّه وإلى فلان من بين الخلائق ، أي انتظر خيره ، ثم خير فلان » 218 .
ولكن القاضي عبد الجبار حين يتعرّض لمناقشة الأساس الثاني للخصوم ، وهو