تتعلق ببنية الخطاب ، أمّا هذه الأنواع فترتبط بمضمونه « واعلم أن الخطاب على ضربين : أحدهما يدل على ما لولا الخطاب لما صحّ أن يعلم بالعقل ، والآخر يدل على ما لولاه لأمكن أن يعرف بأدلة العقول . ثم ينقسم ذلك ، ففيه ما لولا الخطاب لأمكن أن يعلم بأدلة العقول ، ويصح أن يعلم مع ذلك بالخطاب ، فيكون كل واحد كصاحبه في أنه يصح أن يعلم به الغرض . وفيه ما لولا الخطاب لأمكن أن يعلم بالعقل ولا يمكن أن يعلم إلّا به .
فالأول هو الأحكام الشرعية ، فإنها إنما تعلم بالخطاب وما يتصل به ، ولولاه لما صحّ أن يعلم بالعقل الصلوات الواجبة ولا شروطها ولا أوقاتها ، وكذلك سائر العبادات الشرعية .
والثاني هو القول في أنه عز وجل لا يرى ، لأنه يصح أن يعلم سمعا وعقلا ، وكذلك كثير من مسائل الوعيد .
والثالث بمنزلة التوحيد والعدل ، لأن قوله تعالى :
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً
و
قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ
لا يعلم به التوحيد ونفي التشبيه والقول بالعدل ، لأنه متى لم يتقدم للانسان المعرفة بهذه الأمور ، لم يعلم أن خطابه تعالى حق ، فكيف يمكنه أن يحتج فيما ان لم تتقدم معرفته به لم يعلم صحته » 161 .
وهكذا يوضح القاضي عبد الجبار - بالأمثلة - أنواع وجهي الخطاب .
فالنوع الذي يدل ببنيته ولا يحتاج لقرينة عقلية أو لفظية هو الذي يدل على الأحكام الشرعية ، فهذه الأحكام كالصلاة ومقاديرها وشروطها لا يمكن أن تعلم إلّا بخطاب اللّه ، ولا يمكن الوصول إليها بالعقل وحده . أمّا النوع الثاني فهو ما يدل بنفسه وبأدلة العقل معا ، ويمكن للخطاب وحده أن يدل عليه ، وكذلك يمكن للعقل وحده أن يدل عليه ، وذلك مثل الآيات التي وردت في نفي الرؤية عن اللّه وفي كثير من مسائل الوعيد . أمّا النوع الثالث من أنواع الخطاب الإلهي فهو لا يدل اطلاقا بصيغته على المراد به ، بل العقل هو الذي يدل منفردا ، وذلك كل الآيات التي وردت في التوحيد والعدل .
ويظلّ التساؤل حول النوعين الثاني والثالث وسبب ورودهما ما دامت أدلة العقل وحدها تفيد عنهما واردا . ولكن علينا ألّا ننسى أن القاضي لا يفرق بين القرينة اللفظية والعقلية ، بل يعتبر القرينة العقلية « أكد في بابه » على حد تعبيره .
ومع ذلك يظلّ السؤال واردا ، إذ ما دام العقل وحده يمكن أن يدلنا على مضمون النوعين الثاني والثالث فما الحاجة للخطاب إذن ، وما وجه دلالته وأهميته ؟ هنا يربط