تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاتجاه العقلي في التفسير — صفحة 132

مساهمون:

ص١٣٢
وكل هذه الشروط السابقة تعود بالمجاز إلى أن يكون مواضعة سابقة تواضعت عليها الجماعة اللغوية ولا يجوز للفرد أن يخرج عن اطارها ولا أن يقيس عليها . والشرط للاستعمال المجازي للجماعة أن تكون أدركت وجه الشبه بين المعنيين ، ولو كان وجه الشبه موجودا ولم تدركه الجماعة ، ولم تستعمل اللفظ مجازا ، فلا يجوز ادعاء المجاز فيه . وهذا التواضع المجازي يساوي في قوته وثباته المواضعة الحقيقية ، وذلك لأن « المجاز قد صار موضوعا لما استعمل فيه مجازا ، فهو في الحكم بمنزلة اسم يستعمل في أمرين على جهة الاشتراك » 127 وكل هذا ينتهي إلى تثبيت الدلالة اللغوية - مجازية كانت أو حقيقية - ويعود بها إلى أن تكون دلالة عادية رامزة مشيرة ، لا تحمل أي نبض ايحائي . وهي في ذلك تتساوى مع أنواع الدلالات الأخرى العقلية والسمعية . وتصبح اللغة - بنظامها الثابت - هي المرجع في معرفة الأسماء والصفات . ويفقد المتكلم - الذي ألحّ المعتزلة على دوره في الدلالة اللغوية - أي فعالية ايجابية « قد بيّنا من قبل أن استعمال الأسماء والأوصاف يحسن من جهة اللغة ، وإن لم يرد بها التوقيف . وإن صحّ ذلك صارت اللغة هي الأصل فيه ، كما أن أصل ما يعلم من جهة السمع ، فأدلة السمع هي الأصل فيه ، وما يعلم بالعقل فهو الأصل فيه . فكما أن الحكم العقلي يجب الرجوع في معرفته إلى الطريق العقلية وكذلك السمعي ، فكذلك القول في اللغة إذا التبس الحال فيه » 128 . وإذا كان المجاز - شأنه شأن الحقيقة - يعتمد على المواضعة السابقة للجماعة ، فمن الطبيعي أن يكون المجاز الذي سبق استعماله هو المقياس في الاستعمال . وإذا كان المعتزلة قد أباحوا لأنفسهم قياس الغائب على الشاهد فيما طريقه المعرفة العقلية ، وفي اطلاق الأسماء والصفات ، فإنهم قد منعوا القياس في المجاز ، بل لا بدّ من متابعة الاستعمالات المجازية التي سبق استخدامها دون أن يقاس على نفس نمطها . فلا « يقال : سل الكتاب ويراد به صاحبه أو كاتبه ، قياسا على : سل القرية ويراد به الأهل . ولو كان ذلك حقيقة لروعي المعنى المفاد ولأجري الاسم حيث يجري المعنى » 129 . وثمّ خلاف بين أبي علي وأبي هاشم الجبائيين حول جواز القياس على المجاز . وهو خلاف لا يتصل بجوهر القضية . فأبو هاشم يمنع القياس منعا باتا ، بينما يجوّزه أبو علي إذا كانت علاقة المقاربة واضحة بحيث يظهر المعنى للمخاطب 130 . وكلاهما يسعى إلى وضوح الدلالة اللغوية أو المجازية على السواء . وهذا المبدأ - مبدأ عدم القياس في المجاز - يكاد المعتزلة يطبقونه مع مبدأ