تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاتجاه العقلي في التفسير — صفحة 102

مساهمون:

ص١٠٢
مجازها : أهل القرية » 33 فإذا تركنا الحذف إلى وسائل التعبير التصويرية كالتشبيه والتمثيل والاستعارة فسنجد أبا عبيدة يلجأ لتبسيط التراكيب الاستعارية والتمثيلية بدلا من أن يحللها ويتذوقها ويكشف عن مناحي الجمال فيها ، فقوله سبحانه
كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ
يصبح معناه « ميتة » وقوله
ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ
يتحول إلى « الزموا المسكنة » وقوله
وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ
يصير « جعلنا » . أمّا أخذ اللّه للأسماع والأبصار في الآية
قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْ
« فمجازه إن أصمّ اللّه أسماعكم وأعمى أبصاركم » . وقوله تعالى
فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكاذِبُونَ
معناه « قالوا : إنكم لكاذبون . وتصبح الهبة الإلهية
وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي
« مجازه جعلت محبة مني في صدور الناس » . و
تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ
مجازه تقبلونه ويأخذه بعضكم عن بعض » . وكذلك قوله
وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ
« مجازه وجعل فيها رواسي أي جبالا قد رست أي ثبتت » وقوله تعالى
قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ
تصير « يأتي بالحق » 34 . وفي هذه الآيات كلها يبدو التركيب القرآني - في شرح أبي عبيدة - كما لو كان فيه إطالة تحتاج للحذف والاختصار . وبذلك يتعادل التركيب المعقد والتركيب البسيط ليعبرا عن معنى واحد في النهاية . ومعنى ذلك كله أن أبا عبيدة أدرك أن في هذه التعبيرات جميعا شيئا غير عادي ، شيئا يحتاج للتوضيح كما احتاج التشبيه برءوس الشياطين إلى الشرح والتوضيح . وهو وإن كان لم يبيّن الفارق الدقيق بين مستويي التعبير المجازي والتعبير الحقيقي ، فإن مجرد توقفه أمام هذه النماذج ووضعه إياها تحت المجاز يعدّ نقلة كبيرة في انضاج مفهوم المجاز وتطويره . ومن انجازات أبي عبيدة أنه يلتفت إلى ما يمكن أن نطلق عليه أسلوب « التشخيص » في القرآن ، وهو اطلاق صفات انسانية على الحيوان والجماد . غير أن ما يلفت نظر أبي عبيدة إلى هذا الأسلوب هو استخدام ضمائر العاقل بدلا من ضمائر غير العاقل . والأمثلة التي يتوقف أمامها هي قوله تعالى
قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ
يقول : « هذا من الحيوان الذي خرج مخرج الآدميين . والعرب قد تفعل ذلك . قال :
شربت إذا ما الديك يدعو صباحه * إذا ما بنو نعش دنوا فتصوبوا » 35
ويقول في قوله تعالى
قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ
« هذا مجاز الموات الذي يشبه تقدير فعله بفعل الآدميين » وهي نفس النظرة التي ينظر بها إلى الآيات
وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ