وذلك : أن لوطا عليه السّلام لما دعاهم إلى عبادة اللّه وحده لا شريك له ، ونهاهم عن تعاطي ما ذكر اللّه عنهم من الفواحش ، فلم يستجيبوا له ، ولم يؤمنوا به ، حتى ولا رجل واحد منهم ، ولم يتركوا ما عنه نهوا ، بل استمروا على حالهم ولم يرتدعوا عن غيهم وضلالهم ، وهموا بإخراج رسولهم من بين ظهرانيهم ، وما كان حاصل جوابهم عن خطابهم إذ كانوا لا يعقلون
إِلَّا أَنْ قالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ
( 56 ) فجعلوا غابة المدح ذما يقتضي الإخراج ، وما حملهم على مقالتهم هذه إلا العناد واللجاج ، فطهره اللّه وأهله ، إلا امرأته ، وأخرجهم منها أحسن إخراج ، وتركهم في محلتهم خالدين ، لكن بعد ما صيرها عليهم بحيرة منتنة ذات أمواج ، لكنها عليهم في الحقيقة : نار تأجج وحر يتوهج وماؤها ملح أجاج ، وما كان هذا جوابهم إلا لما نهاهم عن الطامة العظمى والفاحشة الكبرى التي لم يسبقهم إليها أحد من أهل الدنيا ، ولهذا صاروا مثلة فيها وعبرة لمن عليها ، وكانوا مع ذلك يقطعون الطريق ويخونون الرفيق ويأتون في ناديهم ، وهو مجتمعهم ومحل حديثهم وسمرهم ، المنكر من الأقوال والأفعال على اختلاف أصنافه ، حتى قيل : إنهم كانوا يتضارطون في مجالسهم ولا يستحيون من مجالسهم ، وربما وقع منهم الفعلة العظيمة في المحافل ، ولا يستنكفون ولا يرعوون لوعظ واعظ ولا نصيحة من عاقل ، وكانوا في ذلك وغيره كالأنعام بل أضل سبيلا ، ولم يقلعوا عما كانوا عليه في الحاضر ، ولا ندموا على ما سلف من الماضي ، ولا راموا في المستقبل تحويلا ، فأخذهم اللّه أخذا وبيلا ، وقالوا له فيما قالوا : « ائتنا بعذاب اللّه إن كنت من الصادقين » فطلبوا منه وقوع ما حذرهم عنه من العذاب الأليم وحلول البأس العظيم ، فعند ذلك دعا عليهم نبيهم الكريم ، فسأل من رب العالمين وإله المرسلين أن ينصره على القوم المفسدين ، فغار اللّه لغيرته ، وغضب لغضبته ، واستجاب لدعوته ، وأجابه إلى طلبته ، وبعث رسله الكرام وملائكته العظام ، فمروا على الخليل إبراهيم ، وبشروه بالغلام العليم ، وأخبروه بما جاءوا له من الأمر الجسيم والخطب العميم :
* قالَ فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ ( 31 ) قالُوا إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ ( 32 ) لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ طِينٍ ( 33 ) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ
( 34 ) ، ( الذاريات ) . . وقال :
وَلَمَّا