تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إعجاز القرآن و منهج البحث عن التميز ( الموازنة ) — صفحة 61

مساهمون:

ص٦١
( وَأَصابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ )
فسلب البستان منه فجأة فكانت الحسرة شديدة
( فَأَصابَها إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ ) .
على أنه لم يذكر حال المشبه اعتمادا على فهمها من صورة المشبه به ، ومن دلالة السياق الذي سبق فيه قوله تعالى
( قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذىً وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ )
[ البقرة : 263 ] وقوله :
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى )
. . . الآية 264 البقرة فقول سبحانه بعد ذلك
( أَ يَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَأَصابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ فَأَصابَها إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ )
من التصوير والتمثيل الذي يأتي في أعقاب المعاني فيلقي عليه بأضوائه الكاشفة ويفصح عن زوايا كانت خفية فيه وما كانت لتظهر لولا هذا التمثيل . ومن الجهة الثانية فإن الترقي والاستقصاء في بيت البحتري جاء على عادة البشر في الإضراب بالأداة ( بل ) التي تعكس شعورا بالغلط ، وهذا ما يعللون به الإضراب ، وتكراره يؤكده بما يتوافق مع الطبيعة البشرية في قصور رؤيتها ، إذ تضرب عما رأته أولا فتتركه إلى ما رأته ثانيا ، ثم إن هذا الاستقصاء يعتمد على نوع من المبالغة التي تصل لدرجة الغلو ؛ لأن الناقة مهما نحفت لا تصل إلى مشابهة الأوتار ، والوتر هو الخيط الدقيق الذي يصل بين طرفي القوس ، أما الصورة القرآنية فلا أثر فيها للطبع البشري وطريقته في نظم المعاني ، لأنها أفرغت إفراغا واحدا وسبكت في قالب واحد ، معتمدة في هذا على الجمل القصيرة التي يلتحم بعضها ببعض عن طريق الصلات الإعرابية كتتابع الوصف في قوله سبحانه :
( أَ يَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ )
وعن طريق العطف بالواو مرتين متواليتين يعقبهما العطف بالفاء مرتين متواليتين في قوله سبحانه :
( وَأَصابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ )
مما يزيد من حاجته إلى ثمار هذه الجنة ، وحيث عطف بالفاء دلّ على سرعة تتابع الأحداث وكأن تطورا مفاجئا قد حدث
( فَأَصابَها إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ )
إنه يريد أن يكون الشعور بالفقد عظيما والإحساس بالحسرة كبيرا ليقع في كل نفس