لكن هذا لم يزد السموأل إلا ثباتا على موقفه فرفض هذا الابتزاز كما يبدو من قول الأعشى :
" فأنكر هذا أىّ إنكار "
وآثر ذبح ابنه قائلا : " لا نشترى عارا بمكرمة " .
فذهب قوله مثلا في الوفاء .
لكن أين هذا من المعاني القرآنية التي لم يكن للعرب عهد بها ، فالآية التي معنا
( وَقالَ يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ )
الخ الآية . . تلتقى فيها أطراف قصة عجيبة تبدأ برؤيا وتنتهى بتحقيق تلك الرؤيا وتفسيرها في الواقع بعد مرور سنين طويلة يلاقى فيها نبي اللّه يوسف أهوالا ، حتى لقد اعتقد أخوته أنه في طي النسيان ، وفي خبر كان كما يقولون ، لكن عناية اللّه كانت تلاحظه فينجو من الخطر تلو الخطر لأنه كان من المخلصين الذين استخلصهم اللّه تعالى ، وتمثل تلك الآية نهاية الصراع بين الخير والشر حيث ينهزم الشر ولا يجد مفرا سوى الانسلاخ من ظلمته إلى نور الحق فيسلم له صاغرا ، وهكذا تفعل العناية الإلهية حتى يأتي الأخوة الذين رموا يوسف في الجب المظلم بعد سنين وهو على رأس الدولة ليخروا له سجدا .
ويوسف عليه السلام باعتباره نبيا لا يترك الفرصة حتى يلقى بالعبرة على مسامع أخوته بادئا بالقصة من أولها في إشارات ورموز
( هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا )
لأن رؤى الأنبياء حق
( وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ )
وهذا يرمز إلى قصة الفتنة التي دخل بسببها السجن ظلما ،
( جاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي )
وفي هذا رمز إلى ما حدث من أخوته وفضل اللّه عليه بالنجاة ، مع التلطف بأخوته إذ نسب ما كان منهم إلى نزغ الشيطان ، فأي أدب هذا ، وأي رفق ؟ إنه أدب النبوة ونورها وكرمها ، ثم ينسب ذلك كله إلى أسرار علم اللّه ولطف تقديره
( إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ )
.