( فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ )
بدلا من افترسه لأن الافتراس لا يستلزم الأكل وقد قصدوا أن الذئب لم يترك منه شيئا حتى لا يطلب أبوهم دليلا من بقية منه .
وكما في التعبير بقوله
( امْشُوا )
بدل امضوا في قوله تعالى
( وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ )
[ ص : 6 ] لأن المشي في هذا الموقع أولى وأشبه بالمعنى ؛ لأنه إنما قصد الاستمرار على العادة الجارية ولزوم السجية المعهودة في غير انزعاج منهم . . ، وذلك أشبه بالثبات والصبر المأمور به في
( وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ )
، ولو قال : امضوا لكان فيه زيادة انزعاج ليس في قوله " امشوا " 43 ثلاث رسائل .
وحاصله أن اللفظ القرآني أنسب للموقف وأشبه بالمعنى والسياق المجاور ، وقد علّل الخطابي لهذه الدقة تعليلا ناشئا من إدراكه الفروق اللغوية بين الأدوات والكلمات واستبطان السياق القرآني للوقوف على المقصود الذي يتطلب لفظا بعينه .
وتارة تتعلق بالصلات بين المعاني التي قد تدق وتخفى على غير أولى الألباب كصلة قوله تعالى
( كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ )
بما قبلها في سورة الأنفال « 1 » .
وتارة تتعلق ببناء السورة والتخلص من غرض إلى غرض وذلك في سياق الرد على من أدعى أفضلية أن يكون لكل سورة موضوع واحد « 2 » .
وتارة أخرى تتعلق ببناء القرآن كله وما في سوره من تكرار ، ويبدو أن الخطابي كان واعيا بالتدرج في هذه الشبهات التي تنتقل من اللفظ إلى التركيب ثم بناء السورة وما يليه من بناء القرآن وقد أحسن الرد على تلك الشبهات ، وكان من ردوده ما يدخل في باب التميز ، لأن الحكم على القرآن ليس كالحكم على أساليبهم ، ومن الخطأ قياس كلام رب العالمين على كلامهم .
هامش
( 1 ) راجع ثلاث رسائل 49 .
( 2 ) راجع المصدر نفسه 54 .