والبهجة ثم الهلاك بعده وفي ذلك العبرة لمن اعتبر والموعظة لمن تفكر في أن كل فان حقير وإن طالت مدته ، وصغير وإن كبر قدره " « 1 » .
وهذه ميزة لكل وسائل البلاغة في القرآن فهي لا تقف عند كونها ألوان وضروب تعبيرية راقية ولكن تشترك تلك الوسائل وتتآزر في التحدي والإعجاز وفي تحديد الغايات الدينية والأخلاقية والعقائدية ، وكان الرماني ينبه إلى هذا كلما لاحت له فرصة ، ففي باب التلاؤم يذكر ان تلاؤم الحروف في القرآن لا يؤدي إلى سهولة الكلام على اللسان وحسنه في الأسماع وتقبله في الطباع حسب ، لأن ذلك قد يوجد في المتلائم من كلام الناس ، وإنما يتميز القرآن بأنه يزيد على هذا حسن البيان في صحة البرهان ، وعبارته : " فإذا انضاف إلى ذلك - ما سبق من مزايا - حسن البيان في صحة البرهان في أعلى الطبقات ظهر الإعجاز للجيد الطباع البصير بجواهر الكلام " « 2 » فحسن البيان ثمرة تعبيرية للتلاوم ، وصحة البرهان ثمرة دلالية ، وبينهما ارتباط والتباس ، ولهذا جعل حسن البيان في صحة البرهان ولم يجعله معه وهو يشير إلى ما يحققه التلاؤم من غايات دينية في أدوات ناصعة مقنعة بالأسلوب المعجز .
فروق الموازنات التطبيقية :
ومن هذه الزاوية وازن الرماني - في باب التجانس - بين قوله تعالى :
( فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ )
[ البقرة : 194 ] ، وقوله تعالى :
( يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ )
النساء : 142 ، ونحوه مما وقعت فيه مزاوجة - أي مشاكلة - في الجزاء ، وبين قول عمرو بن كلثوم : -
ألا لا يجهلن أحد علينا * فنجهل فوق جهل الجاهلينا
يقول : " فهذا حسن في البلاغة لكنه دون بلاغة القرآن لأنه لا يؤذن بالعدل كما آذنت بلاغة القرآن ، وإنما فيه الإيذان براجع الوبال فقط " « 3 » .
هامش
( 1 ) نفسه 83 .
( 2 ) نفسه 96 .
( 3 ) النكت ضمن ثلاث رسائل 100 .