وتأسيسا على ما سبق يعد أبو هلال العسكري وعبد القاهر الجرجاني من أوائل من أرسوا دعائم هذا المصطلح فنيا .
قيمة التصوير الاستعاري
الاستعارة فن قولي ، قد يجمع بين المتخالفين ، ويوفق بين الأضداد ، ويكشف عن إيحائية جديدة في التعبير ، لا يحس بها السامع في الاستعمال الحقيقي ، وهي من أبرز صور البيان العربي ، وأروع مشاهد التصوير الفني ، جلى فيها القرآن بكثير من مواطنه ، وتناولها الحديث في جملة من شذراته ، وتداولها الشعر العربي في أوابده وشوارده ، وما عسى أن يعرض الباحث لقيمة التصوير بالاستعارة ، وخصائص استعمالاتها البلاغية ، بعد أن وشجها عبد القاهر الجرجاني بحلة وصف لا تبلى ، وقلدها بوسام شرف لا يفنى ، وتوجها بمزايا بيان لا تنبو ، ووهجها بلآلئ كمال لا تخبو ، فقال :
« وهي أمدّ ميدانا ، وأشد افتنانا ، وأكثر جريانا ، وأعجب حسنا وإحسانا ، وأوسع سعة وأبعد غورا ، وأذهب نجدا في الصناعة وغورا ، من أن تجمع شعبها وشعوبها ، وتحصر فنونها وضروبها ، نعم وأسحر سحرا ، وأملأ بكل ما يملأ صدرا ، ويمتع عقلا ، ويؤنس نفسا ، ويوفر أنسا ، وأهدى إلى أن تهدى إليك أبدا عذارى ، قد تخير لها الجمال ، وعني بها الكمال ، وأن تخرج لك من بحرها جواهر ، ان باهتها الجواهر مدت في الشرف والفضيلة باعا لا يقصر ، وأبدت من الأوصاف الجليلة محاسن لا تنكر ، وردت تلك بصفرة الخجل ، ووكلتها إلى نسبتها إلى الحجر ، وأن تثير من معدنها تبرا لم تر مثله ، ثم تصوغ فيها صياغات تعطل الحلي ، وتريك الحلي الحقيقي ، وأن تأتيك على الجملة بعقائل يأنس إليها الدين والدنيا ، وفضائل لها من الشرف الرتبة العليا ، وهي أجل من أن تأتي الصفة على حقيقة حالها ، وتستوفي جملة جمالها .
ومن الفضيلة الجامعة فيها أنها تبرز هذا البيان أبدا في صورة مستجدة تزيد قدره نبلا ، وتوجب له بعد الفضل فضلا ، وإنك لتجد اللفظة الواحدة قد اكتسبت فيها فوائد حتى تراها مكررة في مواضع ولها في كل واحد من تلك المواضع شأن مفرد ، وشرف منفرد ، وفضيلة مرموقة ، وخلابة مرموقة ،