وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصابَها وابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ( 265 )
« 1 » .
فالقلب هنا منجذب بعامل روحي ، فانفتح لتلقي التوبات وبذلها على فطرتها ، وسبيلها المطلوب ، كما تتفتح الأرض في المكان الرحب الفسيح ، والذروة المرتفعة العالية ، تباركها النسمات ، وتباكرها المزن ، فيتضاعف عطاؤها ، ويزكو ثمرها . فالصورة التشبيهية مستلة من طبيعة الأرض في قسوتها وبركتها في كلا الموضعين ، وممتزجة بعوامل المناخ في تقلباته وهباته ، ولكنها تترصد أيضا مناخ المرء في سلوكه ، وتتلبث طبيعة الإنفاق في أسلوبه ، فما كان جافا غليظا منهما شبه بمثله وهو الحجر الصلد ، وما جاء متفتحا متبرعما شبه بمثله ، وهو البقعة الطيبة في نشز من الأرض ، تغاديها السحب ، ويراوحها الغيث والندى « 2 » .
ج - ويحاول التشبيه القرآني أن يقرب صورة تكالب الناس في الحياة الدنيا ، وتفاخرهم بما لا يبقى ، وتكاثرهم بما يفنى فتتمثل أمامه هيئة الغيث المنقطع عن الزرع بعد إنعاشه له لحظات ولمحات ، وإذا به يجف دون إنذار ، فيصفر الزرع ويتفتت نتيجة لعدم الموازنة في السقي والإرواء ، ليصبح حطاما تذروه الرياح ، وهشيما تتناقله الأجواء ، فبينا هو نبات يعجب الزارعين ، وإذا به هباء يتطاير من هنا وهناك ، والتشبيه يضع هذه الصورة في ملابساتها المتناقضة ، ومضاعفاتها غير المترقبة تجاه أمر الدنيا ، وحيال المعجبين بزخارفها ، والمكاثرين بأوضارها لتكون مثلا لقوله تعالى :
كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً . . .
« 3 » .
من خلال ما تقدم قد أدركنا بعمق ظاهر التشبيه الفني في القرآن
هامش
( 1 ) البقرة : 265 .
( 2 ) ظ : المؤلف ، الصورة الفنية في المثل القرآني : 190 وما بعدها .
( 3 ) الحديد : 20 .