قارئ القرآن إلى معرفة ذلك في كل حرف ماسّة ، ليخرجه من مخرجه ، ويؤدي حقه بتمامه ، على اللغة التي أنزل اللّه تعالى القرآن بها ، ولأن بعدها باب الإدغام لمن أراد معرفة تفصيله منها ، لأنه يحتاج إليها فيه ليعلم المتباعد من المتقارب ، والمتشاكل من المتنافر ، حتى يظهر ما يجوز أن يدغم مما لا يجوز فيه ، فإنه لا يدغم في المتباعد ولا المتنافر ، ويدغم مع المتقارب والمتشاكل ، ألا ترى أن حروف الحلق لا تدغم في حروف الفم لتباعدها منها ، فلهذا يحتاج إلى معرفة مخارج الحروف وأصنافها في معرفة الإدغام ووجوهه ، واللّه ولي التوفيق » « 1 » .
وقال أبو العلاء الحسن بن أحمد العطار الهمذاني ( ت 569 ه ) في أول باب مخارج الحروف وصفاتها : « اعلم أن هذا الباب من أشرف أصول القراءة ، وأهم فصول التلاوة ، وذلك أن الحروف أصل الكلام كله ، وعليها مدار تأليفه ، ثم من يقرأ القرآن ، ويتعاطى هذا الشأن ، متى ما أهمل إحكام هذا الباب لم يهتد إلى تجويد القراءة وتهذيبها ، وكان كمن رام قطع تيه « 2 » بلا دليل ، وإصعاد قنة نيق « 3 » بغير ما سبيل ، فإذا عرف الحروف وأتقنها ، ولاحظ أجناسها وأحكمها ، ثم انضاف إلى ذلك طبع يتقبل هذا الشأن ويمتزج به ، أشفى به ذاك على القراءة الصحيحة والألفاظ القويمة ، بعون اللّه ومنّه » « 4 » .
وحدّد الحسن بن قاسم المرادي ( ت 749 ه ) أركان علم التجويد ، وبيّن مستلزماته بقوله : « إن تجويد القراءة يتوقف على أربعة أمور :
أحدها : معرفة مخارج الحروف .
والثاني : معرفة صفاتها .
هامش
( 1 ) الإيضاح في القراءات ورقة 75 .
( 2 ) التيه : المفازة ، يتاه فيها ( لسان العرب 17 / 375 ) .
( 3 ) النيق : الطويل من الجبال ( اللسان 12 / 242 ) ، والقنّة : أعلى الجبل ( اللسان 17 / 228 ) .
( 4 ) التمهيد في معرفة التجويد ورقة 141 ظ .