ويبدو أن الاسترسال في تتبع مصطلح التجويد في مصادره بعد هذا الشوط من البحث لا يأتي بكبير فائدة فقد اتضح بما لا يقبل الشك أن ( علم التجويد ) صار علما مستقلا ، منذ أوائل القرن الخامس الهجري ، على أقل تقدير ، حين ظهرت مؤلفات أبي الحسن السعيدي ، ومكي بن أبي طالب القيسي ، وأبي عمرو عثمان بن سعيد الداني ، في هذا العلم الذي وضع اللبنة الأولى في صرحه أبو مزاحم موسى بن عبيد اللّه بن يحيى الخاقاني ، بقصيدته الرائية ، في حسن أداء القرآن ، رحمهم اللّه تعالى جميعا ، ورضي عنهم .
وإذا كان مصطلح ( التجويد ) هو الذي صار اسما لمباحث هذا العلم فإن كلمة ( الإتقان ) وكلمة ( التحقيق ) قد استخدمتا كمرادف أحيانا لكلمة التجويد ، ومعناهما اللغوي متقارب ، فإن إتقان الشيء : إحكامه ، وأتقن الشيء : أحكمه « 1 » ، والتحقيق مصدر حقّقت الشيء ، أي عرفته يقينا ، والاسم منه الحق ، ومعناه أن يؤتى بالشيء على حقه من غير زيادة فيه ولا نقصان منه « 2 » .
ولعل كلمة ( التجويد ) حين صارت اسما لهذا العلم قد استخدمت في معنى لا يطابق بالضبط معناها اللغوي ، فالتجويد في اللغة معناه التحسين ، وفي الاصطلاح :
« هو إعطاء كل حرف حقه من مخرجه وصفته » « 3 » .
فالتحسين ( أي التجويد ) في القراءة كائن في استيفاء الحروف حقوقها من المخارج والصفات ، لا بأمر إضافي يحصل به التحسين . هذا بغض النظر عن اختلاف أصوات التالين رقّة وخشونة ، وهو أمر لا دخل لعلم التجويد فيه ، وإن كان هذا العلم يساعد على ترقيق الأصوات وتهذيبها إلى حد ما .
هامش
( 1 ) ابن منظور : لسان العرب مادة ( ت ق ن ) .
( 2 ) الداني : التحديد ورقة 84 ظ ، وابن الجزري : النشر 1 / 205 .
( 3 ) انظر ابن أم قاسم : المفيد ورقة 100 ظ .