والتنوين عنده هذه الحروف أن النون الساكنة قد صار لها مخرجان : مخرج لها ، وهو المخرج التاسع ، ومخرج لغنتها ، وهو المخرج السادس عشر على مذهب سيبويه ، فاتسعت بذلك في المخرج ، بخلاف سائر الحروف ، فأحاطت ( باتساعها ) بذلك في المخرج ، بحروف الفم ، فشاركتها بالإحاطة بها ، فخفيت عندها ، وكان ذلك أخف ، لأنهم لو استعملوها مظهرة لعمل اللسان فيها من مخرجها ، ومن مخرج غنتها ، فكان خفاؤها أيسر ليعمل اللسان مرة واحدة . . . » « 1 » .
4 - وقال أبو عمرو الداني ( ت 444 ه ) : « وأما إخفاء النون والتنوين فحقه أن يؤتى بهما ولا مظهرين ولا مدغمين ، فيكون مخرجهما من الخياشيم لا غير ، ويبطل عمل اللسان بهما ، ويمتنع التشديد لامتناع قلبهما وذلك إذا لقيا حروف اللسان غير الراء واللام » « 2 » .
5 - وقال عبد الوهاب القرطبي ( ت 461 ه ) : « وأما الإخفاء فحكم يجب عند اجتماع حرفين أخذا حالا متوسطة بين المباعدة في ذينك « 3 » والمقاربة ، وسبق أحدهما بالسكون ، كقوله تعالى :
مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ ( 75 )
[ مريم ] ،
فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ ( 21 )
[ آل عمران ] ، و
وَلَمَنْ صَبَرَ ( 43 )
[ الشورى ] ، وما أشبه ذلك . وحقيقته السترة ، لأن المخرج يستتر بالاتصال .
فالتشديد إذن هو إدخال حرف في حرف ، والإظهار هو قطع حرف عن حرف ، والإخفاء هو اتصال حرف بحرف ، فبالتشديد يدخل الحرف ويغيب ، وبالقطع يظهر ويبين ، وبالاتصال يخفى ويستتر ، ولهذه العلة لم يكن الإخفاء إلا في حرفي الغنة : النون والميم ، لأن الاتصال لا يتأتى إلا فيهما ، لأن الصوت إذا
هامش
( 1 ) الكشف 1 / 166 ، والرعاية ص 241 .
( 2 ) التحديد 102 وتنظر ص 117 .
( 3 ) يعني المخرج والصفة .