إن الّذي أورده المكثرون أقسام ، قسم ليس من النسخ في شيء ولا من التخصيص ولا له بهما علاقة بوجه من الوجوه ، وذلك مثل قوله تعالى :
وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ
« 1 » ،
وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ
« 2 » ، ونحو ذلك . . قالوا إنه منسوخ بآية الزكاة وليس كذلك بل هو باق .
أما الأولى فإنها خبر في معرض الثناء عليهم بالانفاق ، وذلك يصلح أن يفسر بالزكاة وبالانفاق على الأهل وبالانفاق في الأمور المندوبة كالإعانة والإضافة ، وليس في الآية ما يدل على أنها نفقة واجبة غير الزكاة . . والآية الثانية يصلح حملها على الزكاة ، وقد فسرت بذلك .
وكذا قوله تعالى :
أَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ
« 3 » ، قيل : انها مما نسخ بآية السيف وليس كذلك ، لأنه تعالى أحكم الحاكمين أبدا لا يقبل هذا الكلام النسخ وإن كان الأمر بالتفويض وترك المعاقبة ، وقوله في البقرة :
وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً
« 4 » ، عده بعضهم من المنسوخ بآية السيف ، وقد غلطه ابن الحصار بأن الآية حكاية عما أخذه على بني إسرائيل من الميثاق فهو خبر ، فلا نسخ فيه ، وقس على ذلك . .
وقسم هو من قسم المخصوص لا من قسم المنسوخ : وقد اعتنى ابن العربي بتحريره فأجاد كقوله :
إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا
« 5 » ، و
الشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ
- إلى قوله -
إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا
« 6 » ،
فَاعْفُوا
هامش
( 1 ) سورة البقرة ، الآية : 3 ، والأنفال : 3 ، والحج : 35 والقصص : 54 ، والسجدة :
16 ، والشورى : 38 .
( 2 ) سورة البقرة ، الآية : 254 والمنافقون : 10 .
( 3 ) سورة التين ، الآية : 8 .
( 4 ) سورة البقرة ، الآية : 83 .
( 5 ) سورة العصر ، الآيتان : 2 و 3 .
( 6 ) سورة الشعراء ، الآيتان : 224 .