فهذا أخبل أدلتهم ، وبالجملة كلامهم في سائر مسائل الإلهيات أركّ من كلامهم في هذه المسألة ، إذ يقدرون هاهنا على فنون من التخييل لا يتمكنون منها في غيرها ، فلذلك قدمنا هذه المسألة ، وقدمنا أقوى أدلتهم .
* * *
هامش
الأولى : لزوم صدور العالم بالإيجاب عن اللّه تعالى .
والثانية : لزوم استمرار بقاء عالم الأفلاك على الوضع الذي هو عليه الآن ، وهو يتنافى مع الآيات القرآنية المشار إليها آنفا ، ولكثير سواها .
فإذا ارتضى الفلاسفة تصوير العالم بالصورة التي أشرت إليها آنفا ، فإنهم يخلصون من الصعوبة الثانية ، وتبقى فقط الصعوبة الأولى ، وعند ذلك يشركهم في موقفهم غيرهم من أمثال ابن تيمية الذاهب إلى قدم العالم .
أما إذا رفضوا هذا التصوير فعليهم أمران :
أولا : أن يقدموا دليلا منتجا لقدم عالم الأفلاك بالتفصيل .
ثانيا : أن يحددوا موقفهم من الآيات القرآنية التي تتنافى مع هذا التصوير .
أما بالنسبة للأمر الأول ، فكل مالهم بإزائه . - بمقتضى اطلاعى طبعا - إنما هو تصوير لكيفية صدور العقل الأول عن اللّه ، ثم صدور العقل الثاني والنفس الأولى وجسم الفلك الأول ، عن العقل الأول ، وهكذا إلى آخر السلسلة ، وهذا أشبه بالقصة منه بالاستدلال العقلي ، فلا يزال ينقصهم الاستدلال العقلي على قدم كل حلقة من هذه السلسلة .
وأما بالنسبة للأمر الثاني ، فقد بذل ابن سينا بخصوصه محاولة بسطها في كتابه « رسالة أضحوية في أمر المعاد » الذي نشرته لأول مرة دار الفكر العربي ، بتحقيقنا فليرجع إليه من شاء .
* * * هذا والذي يخلص من دليل الفلاسفة - الذي رواه الغزالي هنا على لسانهم - لإبطال حدوث العالم ، أن حدوث العالم - في نظر الفلاسفة - محال .
كما أن الذي يخلص من قول الغزالي - فيما يأتي بعد قليل - من أن :
« قدم العالم يؤدى إلى إثبات دورات للفلك لا نهاية لإعدادها ، ولا حصر لآحادها ، مع أن لها سدسا ، وربعا ، ونصفا ، . . . إلخ »
ومما رواه ابن سينا - في الإشارات قسم ثالث ، ط عيسى الحلبي ، ص 123 ، 4 - عن المتكلمين من قولهم :
« أن الواجب لم يزل ولا وجود لشئ عنه ، ثم ابتدأ وأراد وجود شئ عنه .
ولولا هذا لكانت أحوال متجددة من أصناف شتى في الماضي لا نهاية لها موجودة بالفعل ؛ لأن كل واحد منها وجد ، فالكل وجد ، فيكون لما لا نهاية له من أمورر متعاقبة كلية منحصرة في الوجود .
وكيف يمكن أن تكون حال من هذه الأحوال توصف بأنها لا تكون إلا بعد ما لا نهاية له ، فتكون موقوفة على ما لا نهاية له ، فينقطع أليها ما لا نهاية له .
ثم كل وقت يتجدد يزداد عدد تلك الأحوال ، وكيف يزداد ما لا نهاية له » .
الذي يخلص من كل ذلك أن قدم العالم - في نظر المتكلمين - محال .