لذلك لم يكن غريبا من الغزالي أن ينقد الفلسفة ومذهب التعليم .
غير أن قارئ كتابه « التهافت » الذي ينقد فيه الفلسفة ، يحس أن صاحبه يحمل في نفسه معاني إيجابية ، يريد أن يفسح الطريق لها بهدم ما يخالفها ، استمع إليه يقول « ونحن لم نلتزم في هذا الكتاب - يعنى التهافت - إلا تكذيب مذهبهم ، وأما إثبات المذهب الحق فسنصف فيه كتابا بعد الفراغ من هذا إن ساعد التوفيق إن شاء اللّه نسميه « قواعد العقائد » ونعتنى فيه بالإثبات كما اعتنينا في هذا بالهدم » .
وقد وفي الغزالي بما وعد فألف كتابه المشهور « قواعد العقائد » في علم الكلام وظاهر من ذلك أن الغزالي يهدم الفلسفة ، لأنها تناقض مذهبا كلاميا « 1 » معينا يريد مناصرته .
وإذن فينضاف كتاب التهافت ، بمقدار ما فيه من النزعة الإيجابية ، إلى ما ألفه الغزالي في علم الكلام ، وما قرره في دروسه ، ليتضافر الجميع على تقوية هذا السؤال : كيف يؤلف الشاك في الحقيقة تآليف إيجابية ، ويدرس تدريسا إيجابيا ؟ !
غير أن الغزالي قد تكفل بحل هذا الإشكال ، إذ قد حدثنا في النص السابق أن للمذهب ثلاثة معاني :
1 - مذهب يتعصب له المرء ، لأنه مذهب البلد الذي نشأ فيه ، ومذهب أهله ومعلميه .
2 - مذهب المسترشدين ، وهو يختلف باختلاف حالهم .
3 - مذهب يعتقده المرء في نفسه خاصة ، لا يبوح به إلا لمن اتصف بأمور سبقت الإشارة إليها .
فالغزالى في حال شكه ، إنما كان يشك في المذهب بالمعنى الثالث ، لأنه
هامش
( 1 ) لا كما فهم الأستاذ عبد الهادي أبو ريده في تعليقه على كتاب ديبور ص 197 من « أن الغزالي كان يهدم الفلسفة ليقيم على أنقاضها مذهب التصوف » . لأن الغزالي في تلك الحال لم يكن قد ثبت لديه صحة منهج الصوفية بعد .