هذا الإنسان ، هو عين ذلك الإنسان ، حتى إنه يبقى معه علوم من أول صباه ، ويكون قد تبدل جميع أجسامه ، فدل أن للنفس وجودا سوى البدن ، وأن البدن آلته .
الاعتراض : أن هذا ينتقض بالبهيمة والشجرة ، إذا قيست حال كبرهما بحال الصغر ، فإنه يقال : إن هذا هو ذاك بعينه ، كما يقال في الإنسان ، وليس يدل ذلك ، على أن له وجودا غير الجسم .
وما ذكر في العلم يبطل بحفظ الصور المتخيلة ، فإنها تبقى في الصبيان إلى الكبر ، وإن تبدل سائر أجزاء الدماغ .
فإن زعموا أنه لم يتبدل سائر أجزاء الدماغ ، فكذا سائر أجزاء القلب .
وهما من البدن ، فكيف يتصور أن يتبدل الجميع ؟ !
بل نقول : الإنسان وإن عاش مائة سنة مثلا ، فلا بد أن يكون قد بقي فيه أجزاء من النطفة ، فأما أن تمحى عنه فلا « 1 » ، فهو ذلك الإنسان باعتبار ما بقي ، كما أنه يقال : هذا ذاك الشجر ، وهذا ذاك الفرس ؛ ويكون بقاء المنى « 2 » مع كثرة التحلل والتبدل .
مثاله ما إذا صب في موضع رطل من الماء ، ثم صب عليه رطل آخر ، حتى اختلط به ، ثم أخذ منه رطل ، ثم صب عليه رطل آخر ، ثم أخذ منه رطل ،
هامش
( 1 ) يجد المتتبع لأفكار المتكلمين صدى هذا الرأي في كتبهم ، إذ وجدوا فيه ما يؤيد حجتهم ضد خصومهم المنكرين للبعث الجسماني ، فيقول « سعد الدين التفتازاني » شارح العقائد النسفية ص 402 « مرادنا أن اللّه تعالى يجمع الأجزاء الأصلية للإنسان ، ويعيد روحه إليها . . . وبهذا سقط ما قالوا : إنه لو أكل إنسان إنسانا بحيث صار جزءا منه ، فتلك الأجزاء إما أن تعاد فيهما ، وهو محال ، أو في أحدهما ، فلا يكون الآخر معادا بجميع أجزائه ، وذلك لأن المعاد إنما هو الأجزاء الأصلية الباقية من أول العمر إلى آخره » .
ويعقب « الخيالي » على هذا بقوله « فإن قيل يحتمل أن يتولد من الأجزاء الأصلية للمأكول ، نطفة يتولد منها شخص آخر ، قلنا : لعل اللّه تعالى يحفظه من أن يصير جزءا لبدن آخر ، فضلا عن أن يصير نطفة وجزءا أصليا ، والفساد في الوقوع لا في الجواز » .
( 2 ) يعنى في الإنسان .