مدرك لنفسه ، والأنوار المجرّدة غير مختلفة الحقائق . فيجب أن يكون الكلّ ، كلّ الأنوار المجرّدة ، عقولا كانت أو نفوسا ، مدركا لذاته ، إذ ما يجب على شئ ، كالنّفس النّاطقة ، يجب على مشاركه في الحقيقة ، كالعقل .
هذا ، أي ، المذكور في هذا الإيضاح ، طريق آخر ، في إثبات إدراك العقول ذواتها ، كما ذكرنا . وإذا علمت ما سبق أوّلا ، يعنى في الفصل التّفصيلىّ ، من أنّ كلّ ما هو نور مجرّد ظاهر لذاته ومدرك لها ، استغنيت عن هذه الوجوه ، أحدهما هذا ، والآخر هو المذكور في الحكومة ، من أنّ الّذى يدرك ذاته هو نور لنفسه ، وبالعكس .
قاعدة في بيان أنّ موجد البرازخ ومنّورها مدرك لذاته .
فلمّا كان واهب جميع البرازخ نورها ووجودها نورا مجرّدا ؛ لما عرفت ، من أنّ البرزخ الميّت لا يوجد البرزخ . والهيئآت الجسميّة ، نوريّة كانت أو ظلمانيّة ناقصة عن رتبة الإيجاد ، لافتقارها إلى القيام بالغير ، فيجب أن يكون الموجد لجميع الأجسام البرزخيّة ، نورا مجرّدا ، فهو حىّ مدرك لذاته ، لأنّه نور لنفسه .
فصل ( 10 )
في إثبات الواجب لذاته ووحدانيّة وبراءته عن صفات النّقص وامتناع العدم عليه
واستدلّ على الأوّل بقوله : النّور المجرّد إذا كان فاقرا في ماهيّته ، فاحتياجه لا يكون إلى الجوهر الغاسق الميّت ، إذ لا يصلح هو لأن يوجد أشرف وأتمّ منه لا في جهة ؛
لتوقّف الإيجاد على الحياة ، ولا حياة للغاسق الميّت . سلّمنا عدم توقّفه عليها ، لكن لا يمكن أن يوجد أشرف منه ، لشهادة العقل الصّريح أنّ العلّة أشرف من المعلول وأتمّ منه ، لا بالعكس . سلّمنا أنّه يمكن أن يوجد أشرف منه ، ولكن يستحيل أن يوجده لا في جهة ، لأنّ معلول ذي الجهة يكون ذا جهة بالضّرورة .
وإلى هذا أشار بقوله :
وأنّى يفيد الغاسق النّور ، أي : كيف يفيده ، مع أنّ النّور أشرف ، وليس في جهة ،