التّرجيح من غير مرجّح ، أو حصولها في جميع الأحياز ، أو لا في حيّز . وبطلان التّالى يدلّ على فساد المقدّم ، وهو أنّه لا يجوز اقتران الصّورة بالهيولى المجرّدة .
ومنه يعلم أنّه مغالطة من باب وضع ما ليس بعلّة علّة ، لأنّ الدّعوى هي أنّ الهيولى لا تتجرّد عن الصّورة ، والدّليل هو أنّها لو تجرّدت ولبست الصّورة استلزمت المحال . وإليه الإشارة بقوله :
ولقائل أن يقول : لهم امتناعها في مكان خاصّ لعدم المخصصّ ، لا لاستحالة التّجرّد . وغاية ما يلزم من هذه الحجّة أنّ العالم إذا حصل وبقيت هيولى مجرّدة ، لا يمكن عليها بعد ذلك لبس الصّورة ، لعدم المخصّص بمكان . واستحالة الشّىء ، وهو حصول الهيولى المجرّدة في الخارج ، لغيره ، وهو عدم المخصصّ على تقدير لبس الصّورة ، لا تدلّ على استحالته في نفسه . وهذه الزّلّة أو الهفوة ، أو الغلطة ، وأمثالها ، لزمت من إهمال الاعتبارات اللّاحقة بالشّىء لذاته ولغيره .
ولقائل أن يقول : إذا سلّمت دلالة الحجّة على أنّ الهيولى المجرّدة لا يجوز اقترانها بالصّورة ، انعكس بالنّقيض إلى أنّ المقترنة بالصّورة لا يجوز خلوّها عنها ، وهيولى الأجسام هي المقترنة بالصّوره ، فيستحيل تجرّدها عن الصّورة الجسميّة ، وهو المطلوب .
فإن قيل : المطلوب بيان أنّ الهيولى لا يجوز وجودها بدون الصّورة ، لا بيان أنّ المقترنة بها لا يجوز تجرّدها عنها ، والحجّة بعد تسليم ما فيها تدلّ على الثّانى ، لا الأوّل . وعلى هذا يجوز أن يوجد البعض دائما دون مقارنة صورة .
قلنا : إذا اقترن ببعض الهيوليات صورة جسميّة دون البعض ، مع أنّ طبيعة الهيولويّة واحدة مشتركة بين الهيوليات ، كان في الهيولى تكثّر وانقسام دون الصّور ، وإلّا لما اختصّ بعضها بحلول الصّورة فيه دون البعض ، وهو محال ، لاستلزامه التّرجيح من غير مرجّح ، على ما سبق تقريره .
ويقرب ممّا سبق من حجّتهم ، وهي قولهم : « لو تجرّدت الهيولى عن الصّورة فإمّا أن تكون منقسمة أو غير منقسمة : إلى آخره » . قولهم - في إثبات أنّ الهيولى
شرح حكمة الاشراق — صفحة 219
مساهمون: محمود الكازروني ( قطب الدين محمود الشيرازي )
ص٢١٩