زائدة عليه . وهي مشاهدة النّسبة . ففي المشاهدات يحكم العقل بعين ما أدركه الحسّ إدراكا جزئيّا ، لا على ما أدركه . فإنّه فرق بين أن يكون المدرك - أي :
بالمشاهدة - هو نسبة المحمول مثلا إلى الموضوع كما في المشاهدات وبين أن يكون هو الموضوع المحكوم عليه بالمحمول ، كما في غيرها . وهو فرق دقيق به يتميّز أمثال هذه الأوّليات من المشاهدات .
أو يكون « مشاهدا » ، بقواك الظّاهرة أو الباطنة ، كالمحسوسات ، مثل « أنّ الشّمس مضيئة ، أو كعلمك بأنّ لك شهوة وغضبا » ، إذ المشاهدات قضايا يحكم العقل بها بواسطة قوى ظاهرة ، كالمحسوسات بإحدى الحواسّ الخمس الظّاهرة ، مثل « أنّ الشّمس مضيئة » ، أو قوى باطنة ، كالمدركات بإحدى الحواسّ الخمس الباطنة ، كعلمك بأنّ لك شهوة وغضبا ، على ما ذكره ، أو غيرهما ، كعلمنا بذواتنا وأفعال ذواتنا الّتى هي مدركات نفوسنا ، لا بآلاتها . ونخصّ المدرك بغير الحسّ الظّاهر باسم « الوجدانيّات » .
وسبب الحكم الكلّىّ في المشاهدات ، مثل « أنّ كلّ نار حارّة » عند الإشراقيّين ، هو أنّ النّفس إذا أحسّت بثبوت المحمول لبعض جزئيات الموضوع استعدّت للحكم الكّلّى بنسبة المحمول إلى الموضوع من المفارق بواسطة الإحساس بتلك الجزئيّات ، فإنّها إنّما تستفيد بالحسّ أنّ هذه النّار حارّة ، لا كلّ نار ، فإنّ الحسّ من حيث هو حسّ لا يعطى حكما كلّيّا ، لأنّه إنّما يشاهد الجزئىّ دون الكلّىّ ، إذ لا اطّلاع له عليه ، وليس له حكم ، بل الحكم للعقل بما أدرك الحسّ وأدّى إليه ، فإن جزم به فهو من جملة الواجب قبوله ، وإن لم يجزم به لم يعوّل عليه .
وبه يخرج جواب من أنكر المحسوسات ، وزعم أنّها غير مفيدة لليقين ، واستشهد عليه بأغاليط الحسّ المشهورة . لأنّا لا نعنى بالمشاهدات كلّ ما يشاهد ، لينقض أغاليط الحسّ نقضا ، بل نعنى بها ما يحكم به العقل بواسطة الحسّ الظّاهر أو الباطن .
ومشاهدتك ليست بحجّة على غيرك ما لم يكن له ذلك المشعر والشّعور . فإنّه
شرح حكمة الاشراق — صفحة 118
مساهمون: محمود الكازروني ( قطب الدين محمود الشيرازي )
ص١١٨