الأسباب ، تحدث النتائج . واللّه يعلم الكليات على ما هو المفهوم من هذا المثال . والقائلون بهذا القول يستدلون بقوله تعالى :
« وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ، فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا ، وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ »
( العنكبوت 3 ) فظاهر النص يدل على أنه لم يكن عالما بهم قبل الفتنة - وهذا علم جزئي - وإنما كان عالما بأن الخير والشر سيكونان ، وإذا حدث كذا ، سيكون كذا - وهذا علم كلى - والقائلون بهذا القول - وهم الجهمية اتباع جهم بن صفوان - كان يجب عليهم أن يبينوا مراد اللّه في قوله :
« إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ ، وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ ، وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ ، وَما تَدْرِي نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ غَداً ، وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ . إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ »
( لقمان 34 ) وفي قوله :
« وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ ، وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ، وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها ، وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ »
( الأعراف 59 ) وما شابه ذلك .
ففي هذين النصين ما يدل بظاهره ، على أن اللّه يعلم ما يكون من قبل أن يكون - وهذا هو اللائق به سبحانه . وهذا هو الصواب - .
وإذا قلنا بأن اللّه يعلم ما في الغد ، يلزم على هذا القول : أن الله يعلم ما يحدث من « الإنسان » في الغد ، خيرا كان أو شرا . ولا بد أن يتحقق علمه تعالى ، وتحقق علمه يدل على أن الإنسان مجبور في الأزل ، لأن صفة العلم صفة قديمة . وإذا قلنا بأن الإنسان مجبور ، لعلم اللّه الأزلي بأنه فاعل ما سيفعله ، فإن في القرآن آيات تدل على أن اللّه لا يؤثر في « الإنسان » ابتداء ، وإنما يؤثر في الإنسان ، بعد اختيار الإنسان لأفعاله ، وابتدائه بها .
ومن هذه الآيات : قوله تعالى :
« إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ »
( الرعد 11 ) فقد بين أن الإنسان إذا بدء أولا ، بتغيير عاداته ، يغير